زيف ما ذهبوا إليه، وظهر [١] الحق واليقين في أمر [٢] عيسى وأمه، وكيف خلقه الله بقدرته ومشيئته، وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه ﵎، شرع في الرد على اليهود قبحهم الله تعالى، وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن الله تعالى [٣] قد نص في كتابهم التوراة، أن نوحًا ﵇ لما خرج من السفينة، أباح الله له جميع دواب الأرض، يأكل منها، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه زيادة لحمان [٤] الإبل وألبانها، فأتبعه بنوه في ذلك، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وأشياء أخر زيادة على ذلك، وكان الله ﷿ قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك بعد ذلك، وكان التسري على الزوجة مباحًا في شريعة إبراهيم ﵇ وقد فعله الخليل [٥] في هاجر لما تسرى بها على سارة، وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم، وكذلك كان [٦] الجمع بين الأختين سائغًا [٧]، وقد فعله يعقوب ﵇ جمع بين الأختين، ثم حرم ذلك عليهم في التوراة، وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم، وهذا [٨] هو النسخ بعينه. فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح، ﵇، في إحلاله بعض ما حرم في التوراة، فما بالهم لم يتبعوه، بل كذبوه وخالفوه؟ وكذلك ما بعث الله به محمدًا ﷺ، من الدين القويم والصراط المستقيم، وملة أبيه إبراهيم، فما بالهم لا يؤمنون؟ ولهذا قال الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ أي: كان حلًّا لهم جميع الأطعمة، قبل نزول التوراة، إلا ما حرمه إسرائيل، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي [٩]: فإنها ناطقة بما قلناه. ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، أي: فمن كذب على الله، وادعى أنه شرع لهم السبت، والتمسك بالتوراة دائمًا، وأنه لم يبعث نبيًّا آخر يدعو إلى الله تعالى بالبراهين والحجج، بعد هذا الذي بيَّنَّاه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرناه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: قل يا محمَّد: صدق الله [١٠] فيما أخبر به، وفيما شرعه في القرآن ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله [١١] في القرآن، على لسان محمد ﷺ فإنه الحق الذي لا شك فيه، ولا مرية،
[١]- في خ: "السياق في"، وفي ز "في". [٢]- سقط من: ت. [٣]- في خ: "﷿". [٤]- في ت: "لحوم". [٥]- في ت "إبراهيم". [٦]- سقط من: خ، ز. [٧]- في ز: "شائعًا". [٨]- في ز: "فهذا". [٩]- سقط من: ت. [١٠]- سقط من: خ، ز. [١١]- سقط من: ز.