للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضًا. وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، فقد [١] وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث [٢] وسبعين فرقة، منها فرقة [٣] ناجية إلى الجنة، ومسلمة من عذاب [٤] النار؛ وهم الذين على ما كان عليه النبي وأصحابه.

وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا]﴾، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه [قد كان] [٥] بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة، وضغائن وإحن [وذحول، طال بسببها] [٦] قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله؛ متعاونين على البر والتقوى، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَينَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُمْ﴾ [إلى آخر الآية]، وكانوا على شفا حفرة من النار [٧] بسبب [٨] كفرهم، فأنقذهم [٩] الله منها؛ أن هداهم للإِيمان.

وقد امتن عليهم بذلك [١٠] رسول الله يوم قسم غنائم حنين، فعتب من عتب منهم بما [١١] فضل عليهم في القسمة، بما أراه الله، فخطبهم فقال: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؛ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؛ وعالة فأغناكم الله بي؟ " (٢٥٠). فكلما [١٢] قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن.

وقد [١٣] ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره (٢٥١): أن هذه الآية نزلت في شأن


(٢٥٠) - أخرجه ابن هشام في "السيرة" (٤/ ٩٣٤، ٩٣٥)، وأحمد في "مسنده" (٣/ ٦٧، ٧٦، ٧٧) مختصرًا ومطولًا من طريق محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخدري به. وذكره الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٣٢ - ٣٣) مطولًا بروايتين وقال: "رواها أحمد كلها وأبو يعلى … ورجال الرواية الأولى لأحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع".
(٢٥١) - إسناده منقطع. أخرجه ابن هشام في "السيرة" (٢/ ٥٨٨، ٥٨٩)، والطبري في "تفسيره" =