للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .


= ويخشى على من تجرأ على مثل هذه العبارات أن ينتقل منها إلى الكذب البحت، والزور المجرّد. عافانا الله.
وبعد: فإن الوجادة ليست نوعًا من أنواع الرواية كما ترى، وإنما ذكرها العلماء في هذا الباب إلحاقًا به - لبيان حكمها وما يتخذه الناقل في سبيلها.
وأما العمل بها: فقد اختلف فيه قديمًا: فنقل عن معظم المحدثين والفقهاء المالكيين وغيرهم -: أنه لا يجوز. وحكي عن الشافعي وطائفة من نظار أصحابه جوازه. وقطع بعض المحققين من الشافعية وغيرهم بوجوب العمل بها عند حصول الثقة بما يجده القارئ، أي يثق بأن هذا الخبر أو الحديث بخط الشيخ الذي يعرفه، أو يثق بأن الكتاب الذي ينقل منه ثابت النسبة إلى مؤلفه، ومن البديهي بعد ذلك اشتراط أن يكون المؤلف ثقة مأمونًا وأن يكون إسناد الخبر صحيحًا -: حتى يجب العمل به.
وجزم ابن الصلاح (ص ١٦٩) بأن القول بوجوب العمل بالوجادة "هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة، فإنه لو توقف العمل فيها على الرواية لانسدّ باب العمل بالمنقول، لتعذر شرط الرواية فيها.
قال الناظم في التدريب (ص ١٤٩ - ١٥٠): "قال البلقيني: واحتج بعضهم للعمل بالوجادة بحديث (أي الخلق أعجب إيمانًا؟ قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم. قالوا: الأنبياء، قال: وكيف لا يؤمنون وهم يأتيهم الوحي. قالوا: نحن، فقال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم. قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: قوم يأتون من بعدكم يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها). قال البلقيني: وهذا استنباط حسن. قلت: المحتج بذلك هو الحافظ عماد الدين بن كثير، ذكَر ذلك في أوائل تفسيره، والحديث رواه الحسن بن عرفة في جزئه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وله طرق كثيرة، أوردتها في الأمالي، وفي بعض ألفاظه: (بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا) أخرجه أحمد والدارمي والحاكم من حديث أبي جمعة الأنصاري. وفي لفظ للحاكم من حديث عمر: (يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه، هؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانًا) ".
وهذا الاستدلال الذي ذهب إليه ابن كثير في تفسيره (ج ١ ص ٧٤ - ٧٥ طبعة المنار) وارتضاه البلقيني والناظم -: فيه نظر. ووجوب العمل. بالوجادة لا يتوقف عليه، لأن مناط وجوبه إنما هو البلاغ وثقة المكلف بأن ما وصل إلى عمله صحت نسبته إلى رسول الله . والوجادة الجيدة التي يطمئن إليها قلب الناظر لا تقل في الثقة عن الإجازة بأنواعها لأن الإجازة - على حقيقتها - إنما هي وجادة معها إذن من الشيخ بالرواية. ولن تجد في هذه الأزمان من يروي شيئًا من الكتب بالسماع، إنما هي إجازات كلها، إلا فيما ندر. والكتب الأصول الأمهات في السنة وغيرها -: تواترت روايتها إلى مؤلفيها بالوجادة واختلاف الأصول العتيقة الخطية الموثوق بها. ولا يتشكك في هذا إلا غافل عن دقة المعنى في الرواية والوجادة، أو متعنت لا تقنعه حجة.
ثم إن الناظم أشار إلى اعتراض بعض العلماء على مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح، فقد انتقدوا عليه بعض أحاديث مروية بالوجادة، والوجادة - كما تقدم حكمها - منقطعة لأنها ليست من الرواية. والذي =

<<  <   >  >>