عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ:
بُشْرَى فَقَدْ أَنْجَزَ الْإِقْبَالُ مَا وَعَدَا
(وَهَيَّأَ لَهَا دَارَ السَّلَامِ) الدَّارُ: هِيَ الْجَنَّةُ، وَالسَّلَامُ؛ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: أَيْ السَّالِمُ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ. وَإِضَافَةُ الدَّارِ لَهُ لِلتَّشْرِيفِ، كَقَوْلِهِمْ: بَيْتُ اللَّهِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عَبْدُ اللَّهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْإِضَافَةَ مِنْ غَيْرِ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ عَلَى إرَادَةٍ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلدَّارِ: أَيْ دَارُ السَّلَامَةِ الدَّائِمَةِ فَلَا تَنْقَطِعُ بِمَوْتٍ وَلَا كَدَرٍ. (وَنَادَاهَا رَبُّهَا) بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ الْمُنَزَّهِ عَنْ صِفَاتِ الْحَوَادِثِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَادَاهَا مَلَكٌ وَهَذَا النِّدَاءُ عِنْدَ حُضُورِ أَسْبَابِ الْمَوْتِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَقِيلَ عِنْدَ الْبَعْثِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عَزْرَائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَوْ جَذَبَ الرُّوحَ بِأَلْفِ سَلْسَلَةٍ مَا خَرَجَتْ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} [الفجر: ٢٧] الْآيَةَ
ــ
[حاشية الصاوي]
بَقِيت بَقَاءَ الدَّهْرِ يَا كَهْفَ أَهْلِهِ ... وَهَذَا دُعَاءٌ لِلْبَرِيَّةِ شَامِلُ
وَجَمِيعُ فَوَاتِحِ السُّوَرِ وَخَوَاتِمِهَا وَارِدَةٌ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ وَأَكْمَلِهَا.
قَوْلُهُ: [كَقَوْلِهِ بُشْرَى] إلَخْ: مِثَالٌ لِحُسْنِ الِابْتِدَاءِ.
قَوْلُهُ: [الدَّارُ هِيَ الْجَنَّةُ] : أَيْ فَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِدَارِ السَّلَامِ الْجَنَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ لِأَنَّهَا كُلَّهَا تُسَمَّى دَارَ سَلَامٍ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى الَّذِي قَالَهُ الشَّارِحُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ دَارِ السَّلَامِ الَّتِي هِيَ إحْدَى الْجِنَانِ السَّبْعِ الْوَارِدِ بِهَا الْحَدِيثُ.
قَوْلُهُ: [كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ] : قَدْ يُقَالُ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ النِّدَاءَ بَعْدَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: [حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ] إلَخْ: هَذَا ظَاهِرٌ فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرَةُ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهَا لَا تُنَادَى بِذَلِكَ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَعْسُرُ خُرُوجُهَا وَإِخْرَاجُهَا مِنْ الْبَدَنِ كَإِخْرَاجِ الْمَاءِ الْمُمْتَزِجِ بِالْعُودِ الْأَخْضَرِ فَلِذَلِكَ وَرَدَ: «أَنَّهُ يَرَى أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ انْطَبَقَتْ عَلَيْهِ فَوْقَ الْأَرْضِ عِنْدَ كُلِّ جَذْبَةٍ وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الطَّائِعُ فَيُسَهَّلُ عَلَيْهِ خُرُوجُهَا لِسَمَاعِ النِّدَاءِ فَتَشْتَاقُ» وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ صَلَوَاتِهِ: وَتَوَلَّ قَبْضَ أَرْوَاحِنَا عِنْدَ الْأَجَلِ بِيَدِك مَعَ شِدَّةِ الشَّوْقِ إلَى لِقَائِك يَا رَحْمَنُ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.