(نَظَرِهِ لَهُ حَيْثُ سَتَرَ) عَنْهُ (الْقَبِيحَ) إذْ الْإِنْسَانُ لَا يَخْلُو عَنْ قَبِيحٍ مَا (وَأَظْهَرَ الْجَمِيلَ) مِنْهَا وَلَا لُطْفَ أَعْظَمَ مِنْ إظْهَارِ الْجَمِيلِ وَسَتْرِ الْقَبِيحِ (فَيَكُونُ فَرَحُهُ بِجَمِيلِ نَظَرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ لَا بِحَمْدِ النَّاسِ وَقِيَامِ الْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِهِمْ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ) أَيْ إكْرَامِهِ وَإِحْسَانِهِ بِالْعِنَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ (وَبِرَحْمَتِهِ) لَا بِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ زَخَارِفِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) ؛ لِأَنَّ الْفَرَحَ بِذَلِكَ طَاعَةٌ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَهُ هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أَيْ مِنْ جَمِيعِ مَا فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ الْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ وَفِي أَيْدِيهِمْ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا وَبِالْجُمْلَةِ كَأَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مَقْبُولٌ فَفَرِحَ بِهِ (أَوْ) مِنْ غَيْرِ أَنْ (يَسْتَدِلَّ بِإِظْهَارِ اللَّهِ تَعَالَى الْجَمِيلَ وَسَتْرِ الْقَبِيحِ فِي الدُّنْيَا) مِنْ أَوْصَافِهِ وَأَعْمَالِهِ عَلَى (أَنَّهُ تَعَالَى كَذَلِكَ يَفْعَلُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ) فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ «مَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ ذَنْبًا فِي الدُّنْيَا فَيُعَيِّرُهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «مَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ فِي الدُّنْيَا ذَنْبًا إلَّا سَتَرَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ» وَفِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا فِي الْمَشَارِقِ «أَنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ أَيْ سَتْرَهُ فَيَحْفَظُهُ وَيَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ» أَهْلُ الْمَوْقِفِ صِيَانَةً لَهُ عَنْ الْخِزْيِ وَالتَّفْضِيحِ مُسْتَعَارٌ مِنْ كَنَفِ الطَّائِرِ، وَهُوَ جَنَاحُهُ يَصُونَ بِهِ نَفْسَهُ وَيَسْتُرُ بِهِ بَيْضَهُ وَيُقَرِّرُ بِذُنُوبِهِ يَجْعَلُهُ مُقِرًّا بِهَا «فَيَقُولُ تَعَالَى أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَتَّى إذَا أَقَرَّ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ بِاسْتِحْقَاقِهِ الْعَذَابَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتهَا عَلَيْك فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَك الْيَوْمَ» الْحَدِيثَ قَالَ الْغَزَالِيُّ وَهَذَا إنَّمَا يُرْجَى لِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ سَتَرَ عَلَى النَّاسِ عُيُوبَهُمْ وَاحْتَمَلَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ تَقْصِيرَهُمْ وَلَمْ يَذْكُرْهُمْ فِي غَيْبَتِهِمْ بِمَا يَكْرَهُونَ فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يُجَازِيَ بِذَلِكَ وَأَيْضًا فِي حَدِيثٍ آخَرَ «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (فَإِنَّ السُّرُورَ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ) مُلَاحَظَةُ اقْتِدَاءِ الْغَيْرِ وَمُلَاحَظَةُ طَاعَتِهِمْ فِي مَدْحِهِمْ وَالِاسْتِدْلَالِ بِإِظْهَارِ الْجَمِيلِ وَسَتْرِ الْقَبِيحِ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَنْ يُفْعَلَ بِهِ فِي الْآخِرَةِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْمَدْحِ مِنْ النَّاسِ عَلَى حُسْنِ صُنْعِ اللَّهِ لَهُ حَيْثُ سَتَرَ الْقَبِيحَ وَأَظْهَرَ الْجَمِيلَ (حَقٌّ) ثَابِتٌ فِي الشَّرْعِ (لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّيَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا نَظَرُ الدُّنْيَا (وَلَكِنْ كَثِيرًا مَا يَدْخُلُهُ تَلْبِيسُ) إبْلِيسَ (فَلْيَكُنْ) السَّالِكُ (عَلَى بَصِيرَةٍ) وَتَيَقُّظٍ تَامٍّ لِئَلَّا يَقَعَ فِي حِيَلِ إبْلِيسَ هَذَا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنَّ كَوْنَ هَذَا السُّرُورِ رِيَاءٌ إنْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا وَالْغَالِبُ فِي مِثْلِهِ الِاضْطِرَارِيُّ نَعَمْ إنْ خَطَرَ السُّرُورُ ابْتِدَاءً بِلَا اخْتِيَارٍ وَلَمْ يَدْفَعْهُ بَلْ اسْتَمَرَّ بِاخْتِيَارِهِ يَكُونُ رِيَاءً وَأَيْضًا إنَّ تَعْرِيفَ الرِّيَاءِ الَّذِي سَبَقَ لَا يَشْمَلُ هَذَا السُّرُورَ وَتَخْصِيصُهُ بِالرِّيَاءِ الْجَلِيِّ تَكَلُّفٌ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّفَ فِي التَّعْرِيفِ وَيُدْرَجُ فِيهِ فَافْهَمْ.
(وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ عَلَامَاتِ الرِّيَاءِ (أَنْ يُحِبَّ أَنْ يُوَقِّرَهُ)
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.