سِيرَةٍ حَمِيدَةٍ فَأَبَى بَعْدَ طُولِ الْمُرَاجَعَةِ سِنِينَ رَغْبَةً فِي زِيَادَةِ الْأُجْرَةِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِهِ لَهُ: هَذِهِ أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ، ثُمَّ اتَّفَقَ أَنْ أَخْلَى اللَّهُ الْمَكَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ بِعَوَارِضَ طَرَأَتْ لَهُمْ ثُمَّ زَالَتْ تِلْكَ الْعَوَارِضُ فَعَادُوا لِيَسْكُنُوا عَلَى مِنْوَالِهِمْ، فَجَاءَنِي ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُبَارَكُ وَشَكَا إِلَيَّ هَذَا الْأَمْرَ فَقُلْتُ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى صَاحِبِ الْمَكَانِ، وَقُلْ لَهُ: إِنْ لَمْ يُخْلِ هَؤُلَاءِ مِنْهُ أَفْتَيْتُ بِهَدْمِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ السَّاكِنِينَ ثَمَّ رَجُلٌ جَهْلُهُ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَ، وَمَقَامُهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ فَلَمَّا بَلَغَهُ هَذَا الْكَلَامُ قَالَ: هَذَا لَيْسَ بِحُكْمِ اللَّهِ، وَذَهَبَ إِلَى الشَّيْخِ شمس الدين الياني فَاسْتَفْتَاهُ فَأَفْتَاهُ بِأَنَّهُ لَا يُهْدَمُ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ بِهَدْمِهِ يَلْزَمُهُ التَّعْزِيرُ، ثُمَّ جَاءَ بِهَذِهِ الْفَتْوَى وَصَارَ يَجْلِسُ عَلَى الدَّكَاكِينِ فِي الْأَسْوَاقِ وَيَقُولُ: فُلَانٌ مُجَازِفٌ فِي دِينِ اللَّهِ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ عُصْبَةٌ مِنْ نَمَطِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هَذَا الَّذِي أَفْتَى بِهِ - يَعْنِي قَوْلِي بِالْهَدْمِ - خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَآخَرُ يَقُولُ: هَذَا جَاءَ بِهِ مِنْ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، وَصَارَ كُلٌّ مِنَ الْجُهَّالِ يَرْمِي بِكَلَامٍ فَأَلَّفْتُ فِي ذَلِكَ كِتَابًا سَمَّيْتُهُ (رَفْعَ مَنَارِ الدِّينِ وَهَدْمَ بِنَاءِ الْمُفْسِدِينَ) وَهَذَا الْكِتَابُ مُخْتَصَرٌ مِنْهُ لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُهُ.
فَأَقُولُ: أَمَّا مَا تَلَفَّظَ بِهِ الْجُهَّالُ، فَإِنَّ كَلَامَ الْجَاهِلِينَ لَا يُعْبَأُ بِهِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا مَا أَفْتَى بِهِ الياني فَإِنَّهُ قَدْ كُتِبَ فِي صَحِيفَةِ عَمَلِهِ وَطُبِعَ عَلَيْهَا بِطَابَعٍ وَسَوْفَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الصِّرَاطِ فَيَقْرَؤُهُ وَيُطْلَبُ مِنْهُ الْخُرُوجُ مِنْ عُهْدَتِهِ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ جَاهٌ وَلَا تَعَصُّبٌ، وَأَمَّا الَّذِي أَفْتَيْتُ أَنَا بِهِ فَهُوَ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ، وَثَبَتَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَلَمْ تَزَلْ عَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ وَالْمُلُوكُ وَوُلَاةُ الْأُمُورِ سَلَفًا وَخَلَفًا، وَهَا أَنَا أُبَيِّنُ ذَلِكَ.
[ذِكْرُ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ]
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «إِنَّ أَثْقَلَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقُ بِرِجَالٍ مَعِي مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» " اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ، وَهُمْ عطاء، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وداود، وَأَبُو ثَوْرٍ، وابن المنذر، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ - الْأَرْبَعَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ النووي فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالْجَوَابُ عَنِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.