رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَاخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ؛ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» (١).
قُلْتُ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ المَرْتَبَةَ الأَخِيرَةَ مِنَ الإِنْكَارِ بِالقَلْبِ هِيَ مِنَ الإِيمَانِ، وَلَكِنْ بِأَدْنَى مَرَاتِبِهِ، وَهَذَا بِاعْتِبَارِ قُدْرَتِهِ عَلَى الأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَإِلَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَطِيعًا لَهَا أَصْلًا لَمْ تَكُنْ أَدْنَى فِي حَقِّهِ! وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا؛ فَتَنَبَّهْ.
وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النِّسَاء: ٩٥، ٩٦] حَيثُ اسْتَثْنَى سُبْحَانَهُ أُولِي الضَّرَرِ مِنْ جُمْلَةِ المُقَارَنَةِ بَينَ الحَالِ الأَدْنَى وَالحَالِ الأَعْلَى الَّذِي هُوَ لِأَهْلِ الجِهَادِ بِالمَالِ وَالنَّفْسِ.
- وَفِي الحَدِيثِ أَنَّ المُؤْمِنَ لَا يَرْضَى بِالمُنْكَرِ أَبَدًا، فَإِنِ اسْتَطَاعَ تَغْيِيرَهُ غيَّرَه؛ وَإِلَّا أَنْكَرَ بِلِسَانِهِ؛ وَإِلَّا أَنْكَرَهُ فِي قَلْبِهِ وَاعْتَقَدَ بُطْلَانَهُ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: " فَدَلَّتْ هَذِهِ الأَحَادِيثُ كُلُّهَا عَلَى وُجُوبِ إِنْكَارِ المُنْكَرِ بِحَسَبِ القُدْرَةِ عَلَيهِ، وَأَنَّ إِنْكَارَهُ بِالقَلْبِ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ فَمَنْ لَمْ
(١) صَحِيحُ مُسْلِمٍ (٥٠).
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.