وَالرَّسُولِ، وَالْكُتُبِ، لِأَنَّ الْإِيمَانَ بِالْكُتُبِ تَضَمَّنَ الْإِيمَانَ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَبُولِغَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلِكَ مُغَيَّبٌ عَنَّا، وَكَذَلِكَ الْيَوْمُ الْآخِرُ لَمْ يَقَعْ وَهُوَ مُنْتَظَرٌ، فَنَصَّ عَلَيْهِمَا عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وَلِئَلَّا يَتَأَوَّلَهُمَا مُتَأَوِّلٌ عَلَى خِلَافِ مَا هُمَا عَلَيْهِ. فَمَنْ أَنْكَرَ الْمَلَائِكَةَ أَوِ الْقِيَامَةَ فَهُوَ كَافِرٌ، وَقَدَّمَ الْكُتُبَ عَلَى الرُّسُلِ عَلَى التَّرْتِيبُ الْوُجُودِيُّ، لِأَنَّ الْمَلَكَ يَنْزِلُ بِالْكُتُبِ وَالرُّسُلُ تَتَلَقَّى الْكُتُبَ مِنَ الْمَلَكِ. وَقَدَّمَ فِي الْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ الْمَوْصُولِ عَلَى الْكِتَابِ، لِأَنَّ الرَّسُولَ أَوَّلُ مَا يُبَاشِرُهُ الْمُؤْمِنَ ثُمَّ يَتَلَقَّى الْكِتَابَ مِنْهُ. فَحَيْثُ نَفَى الْإِيمَانَ كَانَ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوُجُودِيِّ، وَحَيْثُ أَثْبَتَ كَانَ عَلَى التَّرْتِيبِ اللِّقَائِيِّ، وَهُوَ رَاجِعٌ لِلْوُجُودِ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِ.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا لَمَّا أَمَرَ بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَذَكَرَ أَنَّ مَنْ كَفَرَ بِهَا أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَهُوَ ضَالٌّ، أَعْقَبَ ذَلِكَ بِفَسَادٍ، وَطَرِيقَةِ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لَهُ عَلَى مَا بَيَّنَ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا فِي الْمُنَافِقِينَ إِذْ هُمُ الْمُتَلَاعِبُونَ بِالدِّينِ، فَحَيْثُ لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ «قالُوا آمَنَّا» وَإِذَا لَقُوا أَصْحَابَهُمْ «قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ «١» وَلِذَلِكَ جَاءَ بَعْدَهُ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ، فَهُمْ مُتَرَدِّدُونَ بَيْنَ إِظْهَارِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ بِاعْتِبَارِ مَنْ يَلْقَوْنَهُ. وَمَعْنَى ازْدَادَ كُفْرًا بِأَنْ تَمَّ عَلَى نِفَاقِهِ حَتَّى مَاتَ.
وَقِيلَ: ازْدِيَادُ كُفْرِهِمْ هُوَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي اسْتِخْرَاجِ أَنْوَاعِ الْمَكْرِ وَالْكَيْدِ فِي حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ: مُجَاهِدٌ وَابْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هِيَ فِي الطَّائِفَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّتِي قَالَتْ: «آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ» «٢» قَصَدُوا تَشْكِيكَ الْمُسْلِمِينَ وَازْدِيَادَ كُفْرِهِمْ هُوَ أَنَّهُمْ بَلَغُوا فِي ذَلِكَ إِلَى حَدِّ الِاسْتِهْزَاءِ وَالسُّخْرِيَةِ بِالْإِسْلَامِ. قَالَ قَتَادَةَ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَطَائِفَةٌ، وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ: هِيَ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، آمَنَتِ الْيَهُودُ بِمُوسَى وَالتَّوْرَاةِ ثُمَّ كَفَرُوا، وَآمَنَتِ النَّصَارَى بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ ازدادوا كفرا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَضَعَّفَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَالَ: يَدْفَعُهُ أَلْفَاظُ الْآيَةِ، لِأَنَّهَا فِي طَائِفَةٍ يَتَّصِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الْمُتَرَدِّدِينَ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ ثُمَّ يَزْدَادُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ فِي الْيَهُودِ آمَنُوا بِالتَّوْرَاةِ وَمُوسَى ثُمَّ كَفَرَا بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ آمَنُوا بِدَاوُدَ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسَى، ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا عِنْدَ مَقْدَمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ الْآيَةَ فِي الْمُتَرَدِّدِينَ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا ارْتَدَّ ثُمَّ آمَنَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ إِلَى الثَّلَاثِ، ثُمَّ لَا تُقْبَلُ توبته وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالنَّارِ. وَقَالَ القفال: ليس لمراد بيان
(١) سورة البقرة: ٢/ ١٤.(٢) سورة آل عمران: ٣/ ٧٢.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.