جَحَدَ. وَقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدَّى تَارَةً بِنَفْسِهِ، وَتَارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ. وَعَصَوْا رُسُلَهُ، قِيلَ: عَصَوْا هُودًا وَالرُّسُلَ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِ، وَقِيلَ: يُنَزَّلُ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ الْوَاحِدِ مَنْزِلَةَ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْإِقْرَارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ كَقَوْلِهِ: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ «١» وَاتَّبَعُوا أَيِ: اتَّبَعَ سُقَّاطُهُمْ أَمْرَ رُؤَسَائِهِمْ وَكُبَرَائِهِمْ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ أَطَاعُوهُمْ فِيمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: الْجَبَّارُ هُوَ الَّذِي يَقْتُلُ عَلَى الْغَضَبِ، وَيُعَاقِبُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: هُوَ الَّذِي يُجْبِرُ النَّاسَ عَلَى مَا يُرِيدُ. وَذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَنَّهُ الْعَظِيمُ فِي نَفْسِهِ، الْمُتَكَبِّرُ عَلَى الْعِبَادِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَاتَّبَعُوا عَامٌّ فِي جَمِيعِ عَادٍ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمَّا كَانُوا تَابِعِينَ لَهُ دُونَ الرُّسُلِ جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ تَابِعَةً لَهُمْ فِي الدَّارَيْنِ تَكُبُّهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي عَذَابِ اللَّهِ انْتَهَى. فَظَاهِرُ كَلَامِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّعْنَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالتَّابِعِينَ لِلرُّؤَسَاءِ، وَنَبَّهَ عَلَى عِلَّةِ اتِّبَاعِ اللَّعْنَةِ لَهُمْ فِي الدَّارَيْنِ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا رَبَّهُمْ، فَالْكُفْرُ هُوَ الْمُوجِبُ لِلَّعْنَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِقَوْلِهِ: أَلَا فِي الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ تَهْوِيلًا لِأَمْرِهِمْ، وَتَفْظِيعًا لَهُ، وَبَعْثًا عَلَى الِاعْتِبَارِ بِهِمْ وَالْحَذَرِ مِنْ مِثْلِ حَالِهِمْ. وَفَائِدَةُ قَوْلِهِ: قَوْمِ هُودٍ مَزِيدُ التَّأْكِيدِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْصِيصِ، أَوْ تَعْيِينُ عَادٍ هَذِهِ مِنْ عَادِ إِرَمَ، لِأَنَّ عَادًا اثْنَانِ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى، فَتَحَقَّقَ أَنَّ الدُّعَاءَ عَلَى عَادٍ هَذِهِ، وَلَمْ تلتبس بغيرها.
[سورة هود (١١) : الآيات ٦١ الى ٨٣]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يَا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨) وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)
وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يَا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)
يَا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يَا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)
قالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها مَا أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)
(١) سورة البقرة: ٢/ ٢٨٥.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.