ولولا جيوشه مع الله تعالى لما بقيت، وقد كان على ملكها للفرنج في كل سنة أربعون ألف دينار، فمدَّ آجال بالأندلس خيله قطع تلك القطيعة، وأنعش بها رمق الإسلام.
فأما إفريقية فقد نبهنا فيها على أنه لولا إنجاد هذا السلطان لصاحبه على بني عبد الودود وعلى ذعار العرب، وثوار أهل بيته لما ثبتت له قدم، وقد ذكرنا أنه أعاد عليهم مدينة تدلس وبلادها. وكان قد أخذها بنو عبد الواد منهم.
وحدثني غير واحد من أهل إفريقية: أن صاحبه ما بعث بنته إلى السلطان ابي الحسن المريني - صاحب بَرَّ العدوة - إلا ليبقى عليه ملكه، وقد كان بعث بمفاتيح بجاية وأشهد على نفسه أنه خرج عنها للسلطان المريني، ومن وفائه أن ردها عليهم وصرفها إليهم، ولم يطمع لهم في شيء من بلادهم بل أعاد لطارقهم وتلادهم مع المساعدة بالأنجاد حتى استولى على عدوهم بالقتل وتملك جميع بلاده كما قدمنا.
ونحن وإن كنا ذكرنا إفريقية بذاتها مفردة بسلطان فإنها في الحقيقة جزء من مملكة صاحب إفريقية فيها كالنائب له.
وأما صاحب بَرَّ العدوة [ف] ينظر إليه بعين الإجلال لكونه بقية الموحدين، وهم أهل بيت ملك، ولهم أصالة السلطنة.
وصاحب إفريقية إنما اشتدَّ بمصاهرته له، وبهذا تمَّ له في إفريقية سلطانه وانكفت أطماع العرب عنه بعد أن استخفوا في إفريقية بالسلاطين، وهان عليه أمر الأمراء، وكانوا بأيديهم تتولى الملوك وتعزل، وتسمن السلطنة وتهزل.
فأما السبب الباعث لصاحب إفريقية على إرسال بعثه إلى هذا السلطان أبي المريني فهو أنَّ سلطان بني عبد الوادي - صاحب تلمسان - كان قد حاصر بجاية ونزل عليها ونازلها وضايقها، ولم يطق صاحب إفريقية دفعه فأراد تأكيد معاضدة المريني له فزوّجه ابنته في أيام أبيه أبي سعيد عثمان، وبعث إليه في البحر يستنجده فخرج لإنجاده.
ثم مات وأوصى ابنه أبا الحسن بإتمام النجدة لهم فلم يزل على محاصرة تلمسان حتى كان من فتوحه لها ما كان.
وحدثني من له اطلاع على ما حدثني به قال: وكان صاحب إفريقية مع انقياده إلى المريني وعداوته لسلطان بني عبد الواد، وقيام المريني على عدوه في هواه لا يؤثر في الباطن، أنَّ المريني يظفر بصاحب تلمسان عدوه ليكون له به شغل عن قصده، وانتزاع إفريقية منه لعلمه أنَّ تلمسان حجاب بينهما، وأنه لا طاقة له بالمريني ولا قبل له به ويحق له الخوف فإنه في قبضته متى أراده.