وأما تلمسان وهي قاعدة الملك الذي فتحه هذا السلطان بسيفه واستضافه إلى ملكه.
قال الشريف في كتاب رُجّار: وهي في سفح جبل وبها آثار الأول، وماؤها مجلوب من عيون على ستة أميال، ولها أسواق ضخمة ومساجد جامعة وأنهار وأشجار. وشجر الجوز كثير بها، وفيها المشمش المقارب في حسنه لمشمش دمشق، وعلى نهرها الأرجاء ويصب نهرها في بركة عظيمة من آثار الأول، ويسمع لوقعه خرير على مسافة ثم يصب في نهر آخر بعدما يمر على البساتين ويستدير بقبليها وشرقيها، وتدخل فيه السفن اللطاف حيث يصب في البحر، وهي دار علم متوسطة في قبائل البربر، ومقصد تجار الآفاق زكية الأرض من الزرع والضرع، ولها حصون كثيرة، وقرص عديدة أشهرها فرضة هنين وهي قبالة المرية ووهران.
وتلمسان - على ما بلغ حد التواتر - في غاية المنعة والحصانة مع أنها في وطاءة، لكنها محصنة بالبناء، ولقد أقام أبو يعقوب يوسف - عم هذا السلطان أبي الحسن نحو عشر سنين، وبنى عليها مدينة سمّاها تلمسان الجديدة.
ثم مات وسمّى أهل تلمسان تلك السنة سنة الفرج حتى كتبوا في سكتهم ونقشوا:«ما أقرب فرج الله»،
وشرع حينئذ أبو حمو بعد إتمام سنة من الفرج من رحيل بني مرين عنها - وهو والد سلطانها أبي تاشفين المأخوذة منه - تحصيل موتها وتحصين أسوارها، ولم يدع ما يحتاج إليه المحاصر لعدة سنين كثيرة حتى حصله من الأقوات والآلات حتى سليت الشحوم، وملئت بها الصهاريج، وملئت أبراج المدينة بالملح والفحم والحطب واختزل أرض داخل المدينة كلها زرع.
ومات أبو حمو وولي بعده أبو تاشفين فزادها تحصيلًا من الأقوات وتحصينًا من الأسوار والآلات، وبناها البناءات العجيبة الشكل والقباب الغريبة المثل والبرك المتسعة، والقصور المنيفة، وغرس فيها بساتين، غرس بها من سائر أنواع الثمار إلى أن حاصر بجاية ونازلها، وبنى عليها فاستنجد الموحدون المريني فأرسل إليه العلماء والصلحاء والأعيان وندبوه إلى الصلح بينهم فأبى إلا عتوًّا وفسادًا فنهض إليه أبو الحسن وحاصره أشدَّ حصار وبنى عليه مدينة سماها المنصورة، وبقي أربع سنين محاصرًا لها مضيقًا عليها آخذًا بخناقها، ونصب عليها المجانيق، وأخذ عليها المسالك من كل جهة، ولم يدع طريقًا لداخل إليها ولا لخارج منها، وسلطانها أبو تاشفين وجميع أهلها في ضيق الخناق معهم لا يفك لهم وثاق، ولا يحل لهم خناق، ولا تبرق لديهم