للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بارقة خلاص. وكانوا مع التشديد الشديد في غاية الامتناع الحصانة بلدهم وكثرة ما بها من الماء والأقوات.

وكان في المدينة عين ماء لا يقوم بكفايتها. وكان يجري إليها الماء من عين خارجة عن البلد، لم يعرف لها أحدًا منبعًا أخفيت بكثرة البناء المحكم ولم يظهر لها على علم إلى أن خرج أحد من يعرفها من البنائين المختصين بسلطانها الكاشف عليها حين بنائها فأظهرها للسلطان أبي الحسن وكشف عنها فقطعها عنهم وأبعدها منهم، وصرفها إلى جهة أخرى فقنعوا بالعين الذي في داخل بلدهم، واكتفوا بالبلالة، ولم يظهر منهم وهن ولا خور لانقطاع الميرة لما كان عندهم من المخزون حتى قدائد اللحوم، ومسليات الشحوم، ولم يتغيَّر طعمها؛ لأنَّ بلاد الغرب مخصوصة بطول مكث المخزونات بها فإنه ربما بقي القمح والشعير في بعض أماكنها ستين سنة لا يتغيّر ولا يسوس، ثم يخرج بعد خزن هذه المدة الطويلة فيزرع وينبت وخصوصًا تلمسان في بر العدوة وطليطلة في الأندلس.

حكى ابن ظافر في كتابه المترجم بـ «سياسة الملوك» أن القمح يقيم بطليطلة ثمانين سنة مخزونًا في صهاريج، ثم يخرج ويزرع.

قال: ولا يزيدها مدة الخزن إلا صفاء، ولا طول المكث إلا جدة.

ونعود إلى ذكر تلمسان فنقول: إنها منحرفة إلى الجنوب الشرقي [من] فاس، ولها ثلاثة أسوار، ومن جهة القصبة ستة أسوار بعضها داخل بعض، ولم يهجس بخاطر أنها تؤخذ، ولكن يسر الله لهذا السلطان أبي الحسن المريني صعبها، وذلل له إباءها حتى ملك ناصيتها، وبلغ دانيتها وقاصيتها.

وإذ قد ذكرنا قواعد الملك الثلاثة فلنذكر ما لا بأس بذكره من هذه البلاد، وأول ما نبدأ بذكر سبتة لصيتها الطائر في الأفاق لمكان بحر الزقاق منها وهي على ضفة بحر الزقاق الداخل من البحر المحيط، وهي في طرف من الأرض شديد الضيق من جهة الغرب، والبحر المحيط محيط بها شرقًا وغربًا وقبلة، ولو شاء أهلها أن يصلوها به من جهة الشمال لوصلوه فتكون جزيرة منقطعة ولها فاكهة كثيرة، وبها قصب سكر ليس بالكثير، وعليها أبراج كثيرة واسوارها عظيمة من صخر محيط بها، وكذلك يحيط بجبل مينائها الذي بشرقيها وبربضها أسوار، وبها حمامات يجلب إليها الماء على الظهر من البحر في السواني وطول المدينة من السور الغربي المحيط على ربضها إلى آخر الجزيرة خمسة أميال، ولم يزل دار علم وفقه.

وقد ذكر الحجاري أول مصنفي كتاب المغرب: أنّها أول ما بني في بر العدوة

<<  <  ج: ص:  >  >>