وهي من قرص البحر العظيمة لكثرة ما يرد عليها من مراكب المسلمين والنصارى من كل جهة وجميع طرف الدنيا أو غالبها موجود فيها. وهي مليحة نزهة، والبحر عندها ضيق. وإذا كان الصحو بصر أهلها منها الجزيرة الخضراء المسامتة لها من الأندلس. وشرب أهلها من الماء مجلوبًا إليهم من البحر من بليوس وغيرها من متنزهاتها، وفي داخلها صهاريج من ماء المطر والأغنام تجلب إليها، والقمح لايزكو نباته في ارضها، وإنما يجلب إليها جلبًا كثيرًا، وبها الصخرة التي قبالها أن موسى ﵇ أوى إليها، ولا يصح.
وبها سمك كثير منه نوع يسمّى سمك موسى نسبةً إلى حوته الذي اتخذ سبيله في البحر سربًا، ولحمه نافع من الحصى مقو للباه، وهو يوجد بالبحر قريب جبل سبتة المعروف بجبل موسى ﵇ وبه رمال ينبط منها الماء العذب ويتبعث من أجراف على ضفة البحر.
ولقرب سبتة من الزقاق الذي منه البحر الشامي، يقال للبحر الشامي البحر السبتي.
وكانت سبتة دار ملك للعزقيين حتى أخذها بنو مرين تقرّب بها صاحبها إبراهيم إلى السلطان أبي سعيد وتغلب له عليه صاحبها محمد ابن القائد علي العزقي وأخذها بالملاطفة بالسيف وسلمها إليه وعوضهم عنها بما أرضاهم من الإحسان والضياع والمرتبات العظيمة وأقاموا معه بفاس ملحوظين بالإكرام والتقديم.
ثم نذكر طنجة؛ لأنها لا يخلو مصنف في هذا الشأن من ذكرها؛ لأنها كانت دار ملك قديم، وذكر شائع، وهي مدينة مسورة متقنة على ساحل بحر الزقاق، وهو محط السفن اللطاف.
وكانت قاعدة تلك الجهات قبل الإسلام - وحين الكتب القديمة المصنفة في هذا الشأن ذكرها - وهي كثيرة الفواكه وخصوصًا العنب والكمثرى وأهلها مخصوصون ومشهورون بقلة العقل وسخف الرأي على أنَّ أبا الحسن بن بياع الصنهاجي الطنجي (١) منها، وقد أثنى عليه الفتح - صاحب قلائد العقيان - فقال: طود سكون ووقار، وروضة
(١) ولي قضاء طنجة، كتب عنه د. محمد بن شريفة مقالًا في مجلة المناهل المغربية ع ٢٢ سنة ٩/ ١٩٨٢. ترجمته في: خريدة القصر، قسم المغرب ٢/ ٥٥٦، النبوغ المغربي في الأدب العربي ٣/ ١٨٧، قلائد العقيان ٣/ ٦٩٥ - ٧٠٧.