للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حل به دار الأمان، لم يكن في الأربعة أحد معه، ولا جاء منهم إلا من تبعه، ووضح ضوء نهاره، ووضع كل تصنيف إجلالًا لمقداره.

أسف للتقصير عنه سفيان، وأنبت دونه البتي عثمان، وجهد ابن أبي ليلى بالكوفة خلفه فما أدركه، وابن جريح بمكة وما سلك مسلكه، ووثب الليث بمصر فما زاد على أن ولج عرينه، وحرص مالك إمام دار الهجرة فما حصل إلا على المدينة، وكان لا يمثل بذكائه إياس، ولا يجيء معه في فقهه على قياس، فما جاء مثله ابن الماجشون، ولا تقدمه الشافعي وداره بين الصفا والحجون، ولا خرج ذو فقه في الفروع عن ظله الأثيث، ولا جاراه ابن حنبل إلا وكان له القديم ولذاك الحديث، ولقد كثرت طائفته، وتفرعت من بحره الأنهار، وتوزعت من شمسه الأقمار، وجال ذكره في الأرض، فضوعها عبقًا، وضوّاها، ثم ألقى جرانه مشرقًا، فتملك أكثر أهل الأرض مذهبه، وتوقل أشرف المطالع كوكبه، حتى عم صيته، وانتعش به كل عالم إذا ذكر معه يحييه وكأنه يميته.

وأدرك أربعة من الصحابة، وهم: أنس بن مالك، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولم يلق أحدًا منهم، ولا أخذ عنه، وأصحابه يقولون لقي جماعة من الصحابة، وروى عنهم، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل.

وذكر أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد (١): أنه رأى أنس بن مالك، وأخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، وسمع عطاء بن أبي رباح، وأبا إسحاق السبيعي، ومحارب بن دثار، والهيثم بن حبيب ومحمد بن المنكدر، ونافعًا مولى عبد الله بن عمر، وهشام بن عروة، وسماك بن حرب، وروى عنه عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجراح، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، وزفر بن الهذيل.

وكان عالمًا، عاملًا زاهدًا، عابدًا ورعًا تقيًا، كثير الخشوع، دائم التضرع إلى الله تعالى.

ونقله أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد، فأراده أن يوليه القضاء فأبى، فحلف عليه ليفعلن فحلف أبو حنيفة لا يفعل، فقال الربيع بن يونس الحاجب: ألا ترى أمير المؤمنين يحلف، فقال أبو حنيفة: أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني، وأبى أن يلي، فأمر به إلى الحبس في الوقت، والعوام يدعون أنه


(١) تاريخ بغداد ١٣/ ٣٢٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>