وكانت خاتون واقفة المدرسة في الحياة، ولها جاه، فامتنع الفقهاء من دفع ذلك إلى نواب الحشر بجاهها.
ومنهم:
[٤٤] أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (١)
علاء الدين صاحب «البدائع،» وساحب جلبات الصنائع، وندرة أصحاب الإمام أبي حنيفة في الزمن الأخير، لم يكن فيهم من ملاصق سجاله، ولا من تضايق مجاله، وكان يُسكتُهم إذا، هدر، ويبكتهم في حلبة السباق إذا بدر، هذا إلى سعة صدر، ورفعة قدر، وقرب من الملوك، وبعد لا تطأ قدم الثريا أثره المسلوك، وكثرة استحضار، وقدرة قوّى لا تبدرك بإحصار، إلا أنه ربما احتد، وجدل الخصماء وما اعتد، وكان يأخذ نفسه بلقاء الأقران إذا التقى الجمعان، واتقى الصدغان، ويربط لهذا كرائم الخيل، وينعت من سبقه الباتك زائد السيل.
تفقه على محمد بن أبي أحمد السمرقندي، وقرأ عليه معظم تصانيفه، وزوجه شيخه بابنته فاطمة الفقيهة العالمة.
قال ابن العديم في تاريخ حلب: كان الكاساني قد أقام ببلاد الروم، فتناظر هو وبعض الفقهاء في مسألة: المُجتهدين مصيب ومخطئ والحق في جهة واحدة، وهذا الذي يقوله مذهب المعتزلة، وجرى بينهما كلام في ذلك، فرفع الكاساني على ذلك الفقيه المقرعة، فتأذى ملك الروم، وقال لوزيره: هذا قد أفتأت على الرجل، فاصرفه عنه، فقال الوزير: هذا الرجل شيخ العلم، وله حرمة وافرة ولا ينبغي أن نصرفه بل تنفذه رسولًا إلى نور الدين محمود بن زنكي، ونتخلص منه بهذه الطريق، فسير من الروم رسولًا إلى حلب، وكان قدم الرضي السرخسي صاحب المحيط حلب، فولاه السلطان نور الدين المدرسة الحلاوية، وكان في لسانه لكنة، فتعصب عليه جماعة من الفقهاء الحنفية، وصغروا أمره عند نور الدين، فأوجب ذلك عزله عن التدريس فاتفق وصول الكاساني في الرسالة إلى نور الدين، فاحترمه وأكرمه، فاجتمع فقهاء المدرسة، وطلبوا من السلطان أن يوليه التدريس، فعرض عليه نور الدين ذلك