للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فانظر إليَّ برحمة أحيابها … وتُريحُ قلبي مِنْ غَرَامٍ مُتْعِبِ

وحكي أن شجنًا له نزل بالغور شاتيًا، وكان له حبيبًا مواتيا، وكان له هناك نشب أطال مقامه، وأطاب في ليل تهامه منامه، وكان الغور قد تعجل حلة الربيع، ولبس رقيق سحابه اللاذ الرفيع، والشريعة قد أبهجت من جهاتها المذاهب الأربعة، وأصبحت مكانس الظباء غاباتها المشبعة، وكان ابن خلكان يخرج في كل يوم إلى جهة القبلة مسيرًا لمخبر يوافيه، أو خبر يخفف ما هو فيه، لعل يهب إليه رفقة رائحة، أو تهب عليه من الغور رائحة، وكان يسير ويقول: [من الكامل]

أحبابنا بالغور طالَ فِراقُكُمْ … وتنكَرْتُ لمُحبِّكم أيامُهُ

منوا على جفني القريح بهجعة … لعسَى تُمثلُكُمْ لَهُ أحلامه (١)

وحكي أنه كان في موعد غلام يجيء إلى زيارته، وقعد ينتظر نزول قمره إليه من دارته، فطال المدى وما زاره، ولا زاد على أن أوقد في قلبه ناره، فقامت قيامته بانتظاره، ومضى أكثر الليل وما حظي بمزاره، فقام يطوف حول البركة إذ لا يقدر على أنه يطوف بربعه، وينظر إلى الماء ويكاد يغرقه بدمعه. هذا والشوق في أحشائه يضطرب، والساعات تمضي وحبيبه لا يدنو، ولا يقترب، وكان الغلام فوق أمل المقترح، وأحسن من الغزال لمن يلتمح، لا يشبه الغصن لين قامته، ولا يراه إلا من يئس من سلامته، فجعل يقول: [مجزوء الخفيف]

أنا والله تالف … آيس مِنْ سَلامَتِي

أو أرى القام التي … قد أقامت قيامتي

ولم يزل يكررها حتى فتح الباب، وطلع عليه الصباح بوجهه المشرق، فانمحى صبغ الليل وانجاب، وبات وليت مثله كل عاشق يظفر بمواصلة الأحباب.

وحكي أنه كان يهوى غلامًا من أبناء الملوك الشيركوهية، تبله غرامًا، وصير منامه عليه حرامًا، فكان يكثر الركوب إلى برزة، مظهرًا أن توجهه لزيارة المقام، وقصده المرور على باب الغلام، ولا يقدر له أن يراه، ولا يستطيع في دفع حبه أكثر من أنه واراه، فمر مرةً ببابه، وهناك رجال من أقربائه، فعرضوا عليه النزول عندهم من حر الهجير، وكان الزمان صيفًا يتوقد شراره، وشهر ناجر مثل التمام سراره، فثنى القاضي رجله ونزل، وكان هذا أكبر أمانيه وجل قصده ولأجله كان يطوف حول


(١) بعده بياض بمقدار ٧ أسطر.

<<  <  ج: ص:  >  >>