مغانيه، فلما قامت الظهيرة، وطاب النزول في الماء، نزلت الغلمان إلى نهر لتبترد بالماء، وتطلع في أفقه طلوع النجوم في السماء، وقد شدوا سود المآزر على بيض الروادف، فطرفوا الصباح بالظلماء، وانغمسوا في ماء النعماء، وذاك الغلام بينهم يسبح، وقد شخص إليه بصر القاضي فما يبرح، فنهاهم فقيه هناك، لم يلم العشق له بفؤاد. ولم يبت وهو يدري كيف تفتت الأكباد، فذبح القاضي بما جاء به من الاعتراض، وحال بينه وبين بوادر الأغراض، فزجر القاضي ذلك الفقيه المعترض، وسل عليه سيف عتبه الممض، ثم أقسم أنه لا قعد إن خرجوا من الماء ولا لبث ثم أنشأ يقول غير مكترث:[من الطويل]
وسرب ظباء في غدير تخالعوا … بدور بأفق الماء تبدو وتغرب
يقول خليلي والغرام مصاحبي … أمالك عن هذي الصبابة مَذْهَبُ
وفي دمك المطلول خاضوا كما تَرَى … فقلتُ لهُ ذَرْهُمْ يَخُوضُوا ويلعبوا
وحكي أنه مر مرة أخرى بعد ذلك بالمكان، لعله يرى ذلك الغصن في ذلك البستان، وكان قد سافر منه في بكرة ذلك النهار، وسار وترك من أثر موقده في قلب القاضي النار، فقال:[من البسيط]
إذا ظَفِرتُ مِنَ الدنيا بقربكم … فكلُّ ذنبٍ جناه الحب مغفور
وحكي أنه كان قد دعي إلى وليمة عملت لبعض أبناء الأكابر في بستان، وقد أعرس، فلما أكل منها، ورش عليه من ماء الورد ركب، ولم ينظف يده، وكان يكره الزفر فرأى فقيهًا كانت له به خصوصية، وتحت ثيابه شيء يحمله، فسأله عما معه، فقال: ماء ورد فقال: اسكب على يدي منه، فتأبى، وألح القاضي عليه في إخراجه، وكان معه، فلما لم يجد الفقيه بدًا، أخرج ما معه فلما رآه القاضي، قال: ما هذا ويحك؟ فقال له الفقيه: يا مولانا ماء ورد إلا أنه لما رآك استحيا، فقال القاضي لعن الله من لا يستحي ثم تركه وسار.