وحدثت عمن كان يطرح معه المؤونة، ويبوح إليه بأسراره المصونة، أنها جاءت مرةً إليه، وقلب البرق يخفق غيرةً عليها، وعين النجم تنظر شزرًا إليها، في ليلة ما لها سحر، ولا لآخرها عنده خبر، قد قصرها منادمة الحبيب، ومداومة الوصال على قلع عين الرقيب. مرت وهي حلوة المذاق، كأنها قبلة على حذر، يدفع في صدرها يد السحر، وتولت قصيرة كالنظر المخلوس، غزيرة بنور الكؤوس، قد حسنت كأنها يوم أغر، وحسبت أنها في مقلة الدهر حور، ثم أعقبها وقت للسرور فيه نمو، ويوم كأن العشى فيه غدو في مجلس لم يلو فيه على الذنوب، ولا يذود العفاف به هوى في القلوب، وقد شوشت الريح طرة الورد، وجمعت أصابع المنثور قرصة البرد، وهلال الصيام قد لاح نضوا، وأومئ للسجود إذ جاءه سهوًا، فنعم بليلة ويوم ما شاب صفوهما تكدير، ولا دب ليومها عذار، ولا في مفرق ليلها قتير، لكنهما انقضيا وما منهما إلا أضوأ وأقصر من ذبالة، وأماله حتى طال النهار وأجفلت الغزالة، فقال:[من الكامل]
سمح الزمان وكان جدَّ شحيحٍ … مِنْ بعد ما مت عادت روحي
جاءت ومسح الليل أسودُ مُسْبَلٌ … لا شك قد وافي إلي مسيحي
أحييتُ فيها ليلتي وحييتها … هي قبلتي وبثغرها تسبيحي
وبقيتُ يومي كله متمتعًا … وبها غَبُوقي المشتهى وصبوحي
حتى إذا ما اليوم ولى طائرًا … ولتْ ولكن خلفت تبريحي
وحدثت عنهم أنهم دخلوا عليه يومًا، وقد خطرت على خاطره نسمة من ذكرها، أجرت دموعه حتى فاضت على نحره، وأسبلت البكاء حتى غرق إنسان عينه في بحره، فقالوا له: أيها الرجل مهلًا على غربك، ورفقًا لا يذهب البكاء بقلبك، فازداد بكاؤه إلى أن قالوا: حصاة كبده تفتت، وظنوا أن جُملة صبره تشتتت، فبقوا يحدثونه، ولا تحدثهم إلا زفراته القائلة، وينادونه ولا تجيبهم إلا عبراته السائلة، فلما هموا بالانصراف كف بعض ذلك الإسراف. قوله:[الطويل]
أخفيتُ حبَّكَ عَنْ جميع جوانحي … فوشت عيوني والوشاة عيون