وكان كبير الشأن، بعيد الصيت، منقطع القرين، له وقع في النفوس، ومحبة في القلوب، جميل الصورة، حسن البشر، وافر الجلالة، سريع الحفظ والفهم، بديع الكتابة، كثير التعبد والصيام، والتهجد، والسكينة، والتودد وحسن الأخلاق، والصفات الحميدة. قل أن ترى العيون مثله، ليس بالطويل، ولا بالضخم، أزهر اللون، مشربا حمرة، واسع الوجه، أزج الحاجبين، أقنى، أشهل، رقيق البشرة، كث اللحية، مقتصدًا في ثيابه، صغير العمامة، يرسل عذبته بين يديه، يدخل إلى البلد للفصل بين الخصوم، فيركب دابة، وكان يقوم الليل، ويصلي الضحى، وبين العشائين، ويبلغه الأذى فيغضي ويحلم، فقل ما انتقم لنفسه، وكان يقبل جوائز الدولة، فيفرقها على الفقراء والتلاميذ، وحج ثلاث مرات، وغزا ثلاث غزوات: نوبة صفد، ونوبة الشقيف، وحصن الأكراد. قد جمع الله الألسنة على تعظيمه وتوقيره، وولي القضاء اثنتي عشرة سنة لم يتناول عليه رزقًا ثم تركه.
قال الفخر أبو محمد عبد الرحمن البعلبكي: أعرفه منذ خمسين سنة مارأيته غضب.
وكان الشيخ محيي الدين النواوي يقول: هو أجلّ شيوخي، وقد أثنى عليه الموافق والمخالف.
توفي شهيدًا بالبطن في سلخ ربيع الآخر سنة اثنتين وثمانين وستمائة عن خمس وثمانين سنة وأربعة أشهر، وكانت جنازته مشهودة، كان الجمع يفوت الإحصاء، ورثته الشعراء بعدة قصائد، ودفن عند والده بسفح قاسيون.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: رأيت وفاته بخط شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: توفي شيخنا الإمام، سيد أهل الإسلام في زمانه، وقطب فلك الأنام في أوانه، وحيد الزمان حقًا حقًا، وفريد العصر صدقًا صدقًا، الجامع لأنواع المحاسن والمعالي، البريء عن جميع النقائض والمساوئ، القارن بين خلتي العلم والحلم، والحسب والنسب، والعقل والفضل، والخلق والحلق، ذو الأخلاق الزكية والأعمال المرضية، مع سلامة الصدر والطبع واللطف والترفق، وحسن النية وطيب الطوية حتى إن كان المتعنت يطلب له عيبًا فيعوزه. إلى أن قال: وبكت عليه العيون بأسرها، وعم بمصابه جميع الطوائف وسائر الفرق، فأي دمع ما انسجم، وأي أصل ما جذم، وأي ركن ما هدم، وأي فضل ما عدم، يا له من خطب ما أعظمه، وأصل قدره، ومصاب ما أقحمه، وأكثر ذكره.
وفي الجملة: فقد كان الشيخ أوحد العصر في أنواع الفضائل. هذا حكم مسلم