الأكناف، ليس بالجافي اللفظ، ولا بالشحيح الكز، إلى دين متين، وورع زائد. يحب الناس ويحبونه ويليهم ويلونه من أخذ عنه أخذ، ومن أخذ عن غيره أتاه عند الانتهاء ليأخذ عنه، وإن كان في غنّى بما حصل تشرفًا بالآخذ عنه، والانتساب إليه.
وكان على رأي أخيه العلامة تاج الدين يحضر السماع، ويخرج إلى البساتين والمتنزهات، ويتمشى تحت قلعة دمشق، ويقف على الحلق بها، وربما قعد كيسًا وتطرقًا من عنبر كبير يرفعه، ولا تبذل يضعه، ومن كان فوق محل النجم موضعه، وكان يحب الوجوه الصباح، ويميل إلى الكلف بالملاح، مع عفاف يُشهد به، ويتفرى الليل عن صاحبه. وكانت تجري بينه وبين أخيه تاج الدين نوادر ما تراشق بمثلها الظرفاء، ولا نودم بشبيهها الخلفاء.
وحكى لي شيخنا ابن قاضي شبهه ﵀، أنه كان معه مرة في بستان دعي إليه فأقاموا به يومهم، فلما جاء وقت العشاء قدمت إليه أنواع الأطعمة، منها لبنية، فلما أكلوا، قال رجل هناك لأصحاب البستان هذه اللبنية مليحة بيتوها لنا عندكم إلى غداء. فقال الشيخ شرف الدين: والله لا كيد ولا كرامة بعد. إنها مليحة ما بيتها إلا أنا، ولا تبات إلا عندي.
وحكى لي المجير أبو القاسم بن مبشر الخولاني قال: لما شغرت وظيفة الخطابة بدمشق تطلع كل متعين إليها، فقال والدك: ما لها إلا الفزاري، وعينه فلما وصل التوقيع الشريف له بعثني به اليه، وهو لا يعلم، ففرح ثم قال: قل له: يا سيدي قد وصلت الورقة، وبقيت الخريقة، يعني الخلعة، فأتيت والدك، وبلغته ما قال، فضحك ثم أمر بالخلعة، فعينت له وجهزت إليه.
وحكى عنه اليونيني، قال: حججت سنة خمس وسبعين وستمائة، فاجتمع في تلك السنة في الحج جماعة من علماء الأقطار: ابن العجيل من اليمن، وابن دقيق العيد من مصر، وأخي تاج الدين الفركاح من الشام في أناس آخرين، فاجتمعوا في الحرم وكان عبد السلام بن غانم الواعظ قد حج من مصر، فجلس تجاه الكعبة المعظمة، وحضر أمير مكة، وأمر عبد السلام بأن يتكلم، فقال:
«الحمد لله ذي القدرة التي لا تضاهى، والحكمة التي لا تتناهى، والقسمة التي لا يطيق خلق يتعداها، ثم ذكر خطبة ومنها ذكر الكعبة المعظمة: فسبحان من شرف هذه البنية واصطفاها، وجعلها حمى لمن حام حول حماها، وحرمًا آمنًا لمن وفي عليه لما وافاها، ووجهةً لمن واجهها اتجاها، وأراد عندها جاها، فهي التي هاجر منها