النعماء، وأصبحت به أكناف الأندلس مخضرة، وأيام الأنس بها لا تخاف مضرة، وقد وضحت مباسمها، ونفحت نواسمها، وهبت أصلها الصحائح معتلة، وغدت حدائقها المحننة بسلاسل الأنهار مغتلة، وكانت الحياة بها سهلة المحيا، وأيامه الدهر، ودانية الدنيا.
قرأ القرآن واللغة، وارتحل بابنه إبراهيم سنة بضع وعشرين وخمسمائة، ورجع فتصدر للإقراء والتحديث، وتعليم العربية، وكان صاحب ضبط وإتقان، مشاركًا في علوم جمة يتحقق بها، وكان حسن الخط، أنيق الوراقة، وكانوا يرحلون إليه للسماع والقراءة.
توفي بدانية في ثالث عشر المحرم سنة سبع وأربعين وخمسمائة. وقد أصابه خدر قبل موته بسنة. ومولده سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة.
وكان ذا حظ من علم الحديث ومعرفة رجاله، وولي خطابة دانية في آخر عمره.
ومنهم:
[٦٥] عبد الله بن عيسى بن عبد الله بن أحمد بن أبي حبيب الأندلسي، أبو محمد الخزرجي (١)
من بيت علم وحشمة، وعلاء وهمة، إلا أن صروف النوى قذفت به، وثلمت سيفه من غربه، فرمت به من حيث لم يك ظنت، ولا قدر لها ما تمنت، فأهوى في الأرض هوي الأجدل، وانحط انحطاط الجندل، وشق المخارم بهوى مضيقها وفجاجها، ويرد عذبها وأجاجها، حتى كاد ينسى من المغرب ذكر بلده، ويظن المشرق موضع مولده، وأتى خراسان، ولم يعرف إلا ما لها من إحسان، وحل في ذلك الأفق دارًا نسي بها قديم محتده، ولفظ من مطلع الشهب شبيب بدده، ووقف على عين الشمس واغترف غرفة بيده.
أقبل على العلم، بإشبيلية، وحصل ما لم يحصله غيره، وولي القضاء بالأندلس
(١) ترجمته في: المنتظم ١٠/ ٥٤ رقم ٢٣٥ (١٨/ ٩٢) رقم (٤١٨٤) وتكملة الصلة لابن الأبار ٢/ ٨٣٤، ٨٣٥، معجم ابن الأبار ٢٣٥، أخبار وتراجم اندلسية للسلفي ٥٧ - ٥٨، سير أعلام النبلاء ٢٠/ ٢٩٧ رقم ٢٠١، الوافي بالوفيات ١٧/ ٣٩٦ رقم ٣٢٩، نفح الطيب ٢/ ١٣٦ - ١٣٧، ٦٥٠، تاريخ الإسلام (السنوات ٥٤١ - ٥٥٠ هـ) ص ٣٠٦ رقم ٤٣٣.