الطاعة كل أوقاته، وكان من الناس جانبا، ولليأس إلى آماله جالبا، عرف الأيام حق معرفتها، وعرَّف ذوي الأفهام منح صفتها، فخلاها من يديه، وأولاها الإعراض لديه، تدارك فساد القلوب بصلاحه، وجلا سواد الدياجي بصباحه، وكان في قوم ما دانوا الله بكيا، وكانوا ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (١). وطلبه المتوكل الأمر نقل إليه وكان غائبًا، ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ (٢) فلما حلَّ في حضرته جل في عينه، وحلّ عن الاحتجاز عليه عقد بينه، فآب مكرَّمًا، وغاب ولم ينل منه أحد محرما.
وكان أوحد وقته علمًا وحالًا وورعًا وأدبًا، سعوا به إلى المتوكل على الله فاستحضره من مصر، فلما دخل عليه وعظه، فبكى المتوكل، ورده مكرما؛ وكان المتوكل إذا ذكر أهل الورع بين يديه يبكي ويقول: حَيَّ هلا بذي النون. وكان رقيقا نحيفًا، تعلوه حمرة، ليس بأبيض اللحية.
ومن كلامه: «إياك أن تكون بالمعرفة مدعيًا، أو تكون بالزهد محترفًا، أو تكون بالعبادة متعلقًا».
وقال ذو النون: «قال الله تعالى في بعض كتبه: من كان لي مطيعًا كنت له وليا، فليثق بي، وليحكم علي، فوعزتي! لو سألني زوال الدنيا لأزلتها له».
وقال ذو النون: «الصوفي إذا نطق، أبان نطقه عن الحقائق، وإن سكت، نطقت عنه الجوارح بقطع العلائق».
وقال: «الأنس بالله من صفاء القلب مع الله تعالى، والتفرد بالله، والانقطاع من كل شيء سوى الله».
وقال: «من أراد التواضع، فليوجه نفسه إلى عظمة الله؛ فإنها تذوب وتصفو، ومن نظر إلى سلطان الله تعالى، ذهب سلطان نفسه؛ لأن النفوس كلها فقيرة عند هيبته.
وقال سعيد بن عثمان: أنشدني ذو النون: [من الطويل]
أموتُ وما ماتتْ إليكَ صَبابتي … ولا قُضِيَتْ مِنْ صِدْقِ حُبِّكَ أَوطاري
مُنايَ المُنى كلُّ المُنى أنتَ لي مُنى … وأنتَ الغِنَى، كلُّ الغِنَى، عند إقتاري
وأنتَ مَدَى سُؤلي وغاية رغبتي … وموضع آمالي ومكنون إضماري
تحمل قلبي فيك ما لا أبتُهُ … وإنْ طالَ سُقْمي فيكَ أو طال إضراري
وبين ضلوعي منك مالك قد بدا … ولم يبد باديه لأهل ولا جار
(١) سورة مريم: الآية ٥٨.
(٢) سورة الأنبياء: الآية ٨٧.