الإشكال فيها، فأتيته فلم أجده فأتيت المدرسة التي بها الشيخ عبد الله المنوفي لأراه. فلما دخلت عليه، وسلمت عليه وجلست قال لي: كأنك مشتغل بشيء من الفقه؟. فقلت: نعم. فقال: ما قولك في كذا وكذا؟ - لتلك المسألة بعينها!؛ فقلت: منكم يستفاد فأخذ يتكلم في تلك المسألة وما عليها من الإيرادات، وذكر الإشكال الذي وقع في نفسي، ثم شرع يجيب عن تلك الإيرادات، حتى جلا ذلك الإشكال، وحل المسألة. فسألته عن شيء آخر؟. فقال: لا، قم مع السلامة، والقصد قد حصل. وهذه كرامة ظاهرة لا تنكر. رحمه الله تعالى.
ومنهم:
[١١١] أَبُو عَبْدِ اللهِ، مُحَمَّدُ بنُ اللُّبَّان شمس الدين الشاذلي (١)
طراز مصر المذهب، وفرد أهلها في علم الحقيقة والمذهب، والفائز المعلى قدحه، والسيد المحلى بذائب الذهب مدحه، طاب غرسه، وأشرقت ملء المشارق والمغارب شمسه، وطال لواؤه، وحسن دواؤه وكثرت شيعته تتوالى منه وليًا تروى أنواؤه، وتجود الأرض سماؤه، وتعود بالفرض والنوافل نعماؤه. صحب الشيخ ياقوت الحبشي، وغيره من مشايخ الاسكندرية، ومصر والشام وأخذ عنهم من علوم الطريقة والحقيقة ما تقدم، تمهيد العلوم الشرعية لسلوكه فيه، حتى برع وبر أهل زمانه، وساد على أبناء دهره، وأطلق قلمه بالإفتاء، واشتغل عليه أنواع الطلبة، وأخذت عنه طوائف المريدين، وتكلم على رؤوس الأشهاد، وحضر مجلسه الخاص والعام، ولم يزل يشار إليه بالإجلال، ويذكر بالتعظيم.
وكنت أسمع به ولا يقيض لي به لقاء، ثم أصيب بما لم يخل منه مثله، فخلى في بعض مجالسه وقد شرع في كلام ما كمله، وأخذ في قول ما أتمه، فقام ابن الكاتب المالكي، وقطع عليه الكلام، وأخذ في الإنكار عليه، وقام معه أناس قلائل، وهم بهم السواد الأعظم حتى كادوا يثبون بهم، ثم حجز بين الفريقين، ورفع ابن الكاتب القضية
(١) محمد بن أحمد بن عبد المؤمن الأسعردي الدمشقي، أبو عبد الله الشافعي المعروف بابن اللبان توفي سنة ٧٤٩ هـ. ترجمته في: الوافي بالوفيات ٢/ ١٦٨ رقم ٥٢٤، الدرر الكامنة ٣/ ٣٣٠ - ٣٣١، أعيان العصر ٤/ ٢٩٩، شذرات الذهب ٨/ ٢٧٩، تحقيق الارناؤوط، ذيول العبر للحسيني ٢٧١، مرآة الجنان ٤/ ٣٣٣، حسن المحاضرة ١/ ٤٢٨، الوفيات لابن رافع ١/ ٢٧٨.