للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال: يا أبا بكر! لا تتهم أقواما انتخبهم الحق في سابق علمه، وأظهرهم بكرامة وحدانيته، حتى إذا كان في وقت بدوهم، استخرجهم من الذر لخاصته، وعجن أرواحهم بأنوار قدسه، وأقامهم بين يديه، ونظر إليهم بعين رحمته، وألبسهم تيجان ولايته، فإن دعوه أجابهم، وإن سألوه أعطاهم، وإن استحجبوه غطاهم، لا تدركهم خفيات الألحاظ، ولا يغيرهم ترجمان الأسرار، فهم به ينظرون، وإليه في جميع الأشياء عن الأشياء مستغنون. فنظرت، فلم أرهم!.

ومنهم:

[١٠٤] أَبُو الحُسَينِ بنُ بَنَان (١)

من كبار مشايخ مصر ومقدَّميهم. أدى للآخرة فرضها، ووفي من الدنيا قرضها، ولم يرض بعاجل أجله ببوس، وأجفن صفوه ذهاب نفوس، وحبال البلايا آسرة، وعقاب المنايا كاسرة، ومناسر الأهلة خواطف، ونواشر الأيام المملة غير عواطف، ونوب الليالي سجال، وريب الحدثان المتوالي عجال، فلم ير زخارف الغرور من حظه، ولا رمق رونقها الزور إلا بمؤخر لحظه، حتى طفئت الشرارة، وحل القرارة، وودع متبوعًا بالبكاء، ممنوعًا من البلاء.

صحب الخراز، وإليه ينتمي مات في التيه، وسبب ذلك: إنه ورد على قلبه وارد، فهام على وجهه، فلحقوه في وسط متاهة بني إسرائيل في الرمل، ففتح عينيه، وقال: اربع، فهذا مربع الأحباب، وخرجت روحه.

ومن كلامه: «كل صوفي يكون هم الرزق قائمًا في قلبه، فلزوم العمل أقرب له إلى الله» و «علامة ركون القلب والسكون إلى الله أن يكون قويًا عند زوال الدنيا وإدبارها عنه، وفقده إياها؛ ويكون بما في يد الله تعالى أقوى وأوثق منه بما في يده».

وقال: «اجتنبوا دناءة الأخلاق كما تجتنبوا الحرام».

وقال: «ذكر الله تعالى باللسان يورث الدرجات، وذكره بالقلب يورث القربات».

وقال: «الوحدة جلسة الصديقين».

وقال: «لا يعظم أقدار الأولياء إلا من كان عظيم القدر عند الله».


(١) ترجمته في: طبقات الصوفية للسلمي ٣٨٩، حلية الأولياء ١٠/ ٣٦٢، الطبقات الكبرى للشعراني ١/ ١٣٢، الرسالة القشيرية، ٧٧، نتائج الأفكار القدسية ١/ ١٩٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>