عباد الله، ولم يقتصر على ذكر الفخر، وكم في الناس من رجل قدمه خير من الفخر!.
وقال لبكتمر الساقي: والله لولا الحياء من الناس كنت ضربته على فمه!. ثم خرج المرشدي إلى الحج، وخرج السلطان إلى سرياقوس، فخرجنا معه، وأتانا الخبر بأن الشيخ في البركة، فقمت أنا ووالدي رحمه الله تعالى، وركبنا لنراه، فلحق بنا الداوداري، وقال: متى رحتم إليه ما يعجب السلطان، وذكره بأمور لا أحب ذكرها، ولم يزل حتى عدنا، ثم لم يقدر لي به اجتماع حتى مات في شعبان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، إلا أنه ومنذ قدم مصر وإلى أن مات لم تزل كتبه إليَّ متواصلة، وحوائجه لدي مقضية.
قلت: ولقد يحكى عنه من الغرائب ما لم نسمع مثله عن أحد من أهل زمانه، ولا ممن تقدمهم بزمان سالف. وكان الناس إذا قصدوه تشهوا في نفوسهم أنواع المآكل والمشارب، فإذا أتوه أتاهم به على أنه في منقطع رمل، وقرية صغيرة لا يوجد فيها مثل تلك الأنواع، والشائع الذائع عند عامة أهل مصر أنه كان يأتيه الجماعة وكل واحد قد يشتهي شيئًا، واقترح ما لا يوجد مثله إلا أن يكون في القاهرة، أو دمشق، فإذا حضروا عنده، وسلموا عليه، غاب عنهم هنيهة، ثم حضر وأحضر لكل واحد منهم ما اقترح، ويقولون: إن أكثر ما كان يحضره للناس في كمه، أو هو حامل له بيده، من غير خدام له، ولا من يستعين بهم، حتى زعموا أنه كان يحضر من أنواع الأطبخة عدة [من] الألوان، وليس عنده من يطبخ له، ولا يعرف له قدر ولا مغرفة، ولا زبدية، ولا موقد نار، مع اشتغاله طول نهاره وليله بالناس، ويزعمون أن هذا المدد ما هو في وقت دون وقت، بل إنه يأتي في اليوم الواحد بعدة من الألوان لا يعرف من أين أتى بها، ولا من طبخها!. إلى غير ذلك مما يحكون عنه من هذا ومثله، مما أظن أكثره من باب الخراف في القول.
وحكى لي صاحبنا القاضي شمس الدين القيسراني كاتب الإنشاء، وكان قد توجه قصدًا لزيارته، قال: كنت قد أكلت في الطريق قبل إشرافي على بلده بقليل، فاشتهيت أقسما سكرية مبردة، فحال ما وصلت وسلمت عليه غاب عني هنيهة، وأتى معه أقسما سكرية مبردة مثل الأقسما التي تعمل للسلطان، وقال لي: اشرب هذه فإنك قد جئت من حر الطريق.
وحكى لي الشيخ أحمد بن عمر الأنصاري قال: الشيخ محمد المرشدي يتوجه في كل سنة إلى «كوم فرح» أظنه قال: في نصف شعبان، ويأتيه من الخلائق ما لا يحصى كثرة، ومعهم دوابهم.