وقال إسحاق الموصلي (١): لما (٢) خرجنا مع الرشيد إلى الرقة، مررنا بالقائم وعنده الدير. فاستحسن الرشيد الموضع. وكان الوقت ربيعا، وكانت تلك المروح مملوءة بالشقائق والزهر. فشرب على ذلك ثلاثة أيام. ودخلت الدير أطوف فيه، فرأيت ديرانية، حين نهد ثدياها، عليها المسوح، ما رأيتُ أحسن من وجهها وجسمها، وكأن تلك المسوح عليها حليّ. فدعوت بنبيذ وشربت على وجهها أقداحا. وقلت (٣):
بِدَيْرِ القائم الأقصى … غزال شادن أخوى
بَرى حُبِّي له جسمي … ولا يَدْرِي بما ألقى
وأكْتُمُ حُبَّه جَهدِي … ولا والله ما يَخْفى
ثم دعوت بالعود، فغنيتُ في الدير صوتًا مليحًا ظريفًا. وما زلتُ أكرره وأشرب وأنظر إليها، وهي تضحك من فعلي حتّى سكرتُ. فلما كان من الغد، دخلت على الرشيد، وأنا ميت من السكر. فقال لي: أين شربت؟ فأخبرته القصة. فقال: طيب وحياتي ودعا بالشراب فشرب. فلما كان العشي قال: قم بنا حتى أتنكر وأدخل إلى
(١) إسحاق بن إبراهيم بن ميمون التميمي الموصلي، أبو محمد ابن النديم: من أشهر ندماء الخلفاء. تفرد بصناعة الغناء، وكان عالمًا باللغة والموسيقى والتاريخ وعلوم الدين وعلم الكلام، راويًا للشعر حافظًا للأخبار، شاعرًا، له تصانيف من أفراد الدهر أدبًا وظرفًا وعلمًا. فارسي الأصل، مولده ببغداد سنة ١٥٥ هـ/ ٧٧٢ م ووفاته فيها سنة ٢٣٥ هـ/ ٨٥٠ م، وعمي قبل موته بسنتين. نادم الرشيد والمأمون والواثق العباسيين. ولما مات نُعي إلى المتوكل فقال: ذهب صدر عظيم من جمال الملك وبهائه وزينته. وألف كتبًا كثيرة، قال ثعلب: رأيت لإسحاق الموصلي ألف جزء من لغات العرب كلها سماعه من تصانيفه: كتاب أغانيه التي غنى بها، و «أخبار عزة الميلاء» و «أغاني معبد» و «أخبار حماد عجرد» و «أخبار ذي الرمة» و «الاختيار من الأغاني» ألفه للواثق، و «مواريث الحكماء» و «جواهر الكلام و الرقص والزفن» و «الندماء» و «النغم والإيقاع» و «قيان الحجاز» و «النوادر المتخيرة» ولا بن بسام الشاعر كتاب «أخبار إسحاق النديم ومثله للصولي. ولماجد العزي، إسحاق الموصلي، ديوان ودراسة وتحقيق - ط» بغداد. ترجمته في: الفهرست ١/ ١٤٠ ووفيات الأعيان ١/ ٦٥ وسمط اللآليء ١٣٧ و ٢٠٩ و ٥٠٩ والأغاني طبعة دار الكتب ٥/ ٢٦٨ - ٤٣٥ ولسان الميزان ١/ ٣٥٠ وتاريخ بغداد ٦/ ٣٣٨ وإنباه الرواة ١/ ٢١٥ والذريعة ١/ ٣٢٠ ونزهة الألباب ٢٢٧، والأعلام ١/ ٢٩٢، معجم الشعراء للجبوري ١/ ٢٥٨. (٢) الخبر في الأغاني ٥/ ٤١٨، معجم ما استعجم ٢/ ٥٩١ - ٥٩٢. (٣) ديوانه ٨٧، الأغاني ٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤، ٤١٨، معجم البلدان ٢/ ٥٢٦ مادة (دير القائم الأقصى).