للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

صاحبتك هذه وأراها. فقمتُ معه وتلثّم ودخل الدير فرآها وقال: مليحة والله! وأمر من جاءه بكأس وخَرْدَاذِي. وأحضرت عودي فغنيته الصوت الذي صنعته ثلاث مرات، وشرب عليه ثلاث أرطال. ثم خرج وأمر لي بثلاثين ألف درهم فقلت: يا سيدي، وصاحبة القصة؟ أريد أن يبين عليها أثري فأمر لها بخمسة آلاف درهم، وأمر بأن لا يؤخذ من مزارع ذلك الدير خراج. وأقطعهم إياه وجعل عليه عن الخراج عشرة دراهم في كل سنة، تُؤدّى ببغداد.

دير حزقيال (١): - قال شريح الخزاعي (٢): اجتزت بدير حزقيال. فبينا أنا أدور فيه إذا بسطرين مكتوبين على أسطوانة. فقرأتهما، فإذا هما: [من الخفيف]

رُبَّ لَيْلٍ أمد من نَفَس العا … شق طولًا، قطعته بانتحاب

ونعيم بوصل من كنتُ أهوى … قد تبدّلته ببؤس العتاب

نَسَبُوني إلى الجنون ليُخفوا … ما بقلبي من صبوة واكتئاب

ليت بي ما ادْعَوْه من فَقْدِ عَقْلي … فهو خيرٌ من طُول هذا العَذَابِ

وتحته مكتوب: «هَوِيتُ فُمنعتُ، وطُردتُ وشُرِّدتُ. وفرّق بيني وبين الوطن، وحجبتُ عن الإلف والسكن. وحُبستُ في هذا الدير [ظلمًا و] عدوانًا، وصُفِدتُ في الحديد زمانًا: [من الطويل]

وإني على ما نابني وأصابني … لَذُو مِرّة باق على الحدثان

فإِنْ تُعْقِبِ الأَيامُ أَظْفَرُ ببُغْتَتِي! … وإن أتولى يرم بي الرجوان

فكم ميّت هما بغيظ وحَسْرَةٍ … صَبُورٌ لما يأتي به الملوان» (٣)

فدعوت برقعة، وكتبتُ ذلك، وسألت عن صاحبه، فقالوا: رجلٌ هَوى ابنة عم له، فحبسه عمه في هذا الدير، وغرم على ذلك جملة للسلطان خوفًا أن تفتضح ابنته. ثم مات عمه. فورثه هو وابنته. وجاء أهله فأخرجوه وتزوج ابنة عمه.


(١) انظر: معجم البلدان ٢/ ٥٠٥ مادة (دير حزقيال) و مادة (دير هزقل)، الديارات للأصبهاني ٦٦ - ٦٧، الديارات النصرانية في الإسلام ١٠٨ - ١٠٩، آثار البلاد ٣٦٩ - ٣٧٠، الروض المعطار ٢٥٢، وسيرد مرة أخرى بعنوان (دير هزقل) من ديارات الشام.
(٢) الخبر والأبيات في معجم البلدان ٢/ ٥٠٥ مادة (دير حزقيال) معجم ما استعجم ٢/ ٥٧٤ - ٥٧٥، الديارات للأصبهاني ٦٦ - ٦٧، الروض المعطار ٢٥٢ وفيه: «شريح الخرامي».
(٣) الملوان: الليل والنهار.

<<  <  ج: ص:  >  >>