قال الشابشتي: كان مدرك بن علي الشيباني يطرقه في الآحاد والأعياد. فينظر من فيه من المردان، والوجوه الحسان. وله فيه: [من الطويل]
وجوه بدير الرُّوم قد سَلَبَتْ عَقْلي … فأصبَحْتُ فِي بُؤْسٍ شَدِيدٍ مِنَ الخَبْلِ
فلم تَرَ عَيْنِي مَنْظَرا مثلَ حُسْنِهم … ولم تَرَ عَيْنٌ مُستهامًا بِهِمْ مِثْلي
وحكي عن جساس بن محمد قال: كان بدير الروم غلام من أولاد النصارى، يقال له عمرو بن يوحنا. وكان من أحسن الناس صورة وأكملهم خلقا. وكان مدرك بن علي يهواه. وكان من أفاضل أهل الأدب. وكان له مجلس تجتمع فيه الأحداث لا غير. فإن حضره ذو لحية، قال له مدرك: إنه يقبح بك أن تختلط بالأحداث، فقم في حفظ الله! فيقوم. وكان عمرو ممن يحضر مجلسه فعشقه وهام به فكتب إليه رقعة، وتركها في حجره. فقرأها فإذا فيها: [من الكامل]
بمجالس العلم التي … بِكَ تَمّ جَمْعُ جُمُوعِها
إلا رأيت لِملَّةٍ … غَرِقتْ بفَيْض دموعها
بيني وبينك حُرمة، … فالله في تضييعها
فقرأ الأبيات، ووقف عليها مَنْ حضر. فاستحيا عمرو، فانقطع عن الحضور وغلب الأمر على مدرك، فترك مجلسه وتبعه. وقال فيه أشعارا، منها قوله: [من الكامل]
يا من يُريد وصالنا ويَرُدّه … ما قد يحاذر من كلام الناس
صلني فإن سبقَتْ إليك مقالة … منهم، فعصب ما يقال براسي
قال جساس: ثم خرج مدرك إلى الوسواس. فحضرته عائدا في جماعة من إخوانه، فقال: ألستُ صديقكم القديم؟ فما فيكم أحد يُسعدني بالنظر إلى وجه عمرو؟ قال: فمضينا إليه. وقلنا له: يا عمرو إن كان قتل هذا الرجل دينًا، فإن إحياءه لمروءة. قال: فما فعل؟ قلنا له: قد صار إلى حال ما نحسبك تلحقه. قال: فنهض معنا. فلما دخلنا عليه، سلّم عليه عمرو، وأخذ بيده. فقال: كيف تجدك يا سيدي؟ فنظر إليه، ثم أغمي عليه، ثم أفاق وهو يقول: [من مجزوء الرمل]
أنا في عافية إلا … من الشَّوْقِ إليكا
أيُّها العائد ما بي … منك لا يَخْفى عليكا
لا تَعُد جسما وعد … قلبا رَهِينا في يَدَيْكا
كيف لا يَهْلِكُ من يُرْ … مى بسهمي مُقْلتيكا؟