فضحك المعتز. ثم جاءنا من الطعام بما يكون مثله في الديارات. وكان من أنظف طعام في أنظف آنية. فأكلنا منه وغسلنا أيدينا فقال لي المعتز: قل له بينك وبينه من تحبُّ أن يكون معك من هذين ولا يفارقك.
فقلت له.
فقال: كلاهما. فضحك المعتز حتى مال من الضحك. ولَحِقَنَا الموكب، فارتاع، فقال له المعتز: بحياتي عليك لا تنقطع عما كنا فيه، فإنني لمن ثَمَّ مولّى ولمن ههنا صديق! فمزحنا ساعة، ثم أمر له المعتز بخمسين ألف درهم.
فقال: لا والله لا قبلتها إلا على شرط!
قال: ما هو؟
قال: يكون أمير المؤمنين في دعوتي مع من أراد.
قال: ذلك إليك. فاتعدنا ليوم جئناه. فلم يبق غاية، وقام بالموكب كله. وجاء بأولاد النصارى فخدموا أحسن خدمة. وسُرَّ سرورا ما رأيتُه سُرَّ مثله قط. ووصله ذلك اليوم بمال كثير.
دير سرجيس (١) - وهو بطيزنا باذ (٢). بين الكوفة والقادسية، على حافة الطريق. وكانت أرضه محفوفة بالنخل والكروم والشجر والحانات والمعاصر. وكان بهذا أحد البقاع المعمورة، ونُزَهِ الدنيا التي تبتهج بها القلوب المسرورة.
قال الشابشتي: وقد عفت الآن آثارها، وهدمت دياراتها.
قلت: وبلغني أن ديارها خربت، ولم يبق من رسومها إلا قِبابٌ خَراب، وجرن على قارعة الطريق في القفر اليباب.
قال الشابشتي: ويسميه الناس معصرة أبي نواس. وله فيه (٣): [من البسيط]
(١) انظر: الديارات للشابشتي ٢٣٣، معجم البلدان ٢/ ٥١٤ مادة (دير سرجس وبكس). (٢) طيزنا باذ: قرية بين الكوفة والقادسية على ميل منها، على حافة الطريق على جادة الحاج، وكانت من أنزه المواضع، محفوفة بالكروم والشجر والحانات والمعاصر، وكانت أحد المواضع المقصودة للهو والبطالة، وهي الآن خراب لم يبق لها أثر. انظر: معجم البلدان ٣ ٥٧٠ مادة (طيز ناباذ)، مروج الذهب ٦/ ٣٠٥. (٣) ديوانه ١٩٨ - ١٩٩.