من الراكع والساجد، فأصبحت جوامع الغوطة غيطان، لا سقوف لها ولا حيطان، ومشاهد البقاع صفصفًا (١) كالقاع، ومساجد حوران مخازن وأفران، فكم من بنية لعب الجور بأربابها، ونسج العنكبوت [على بابها](٢)، وكم من بيوت الله أغلقت دون أصحابها، فعشعش الحمام في محرابها ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ (٣) وقد دخل العمال أيها الملك على الوقوف بحجة العمارة والسقوف. فاتفقت علينا الأهواء، واختلفت فينا الأمطار والأنواء، فلا يزال المسجد ينهار، وتأخذه السيول والأمطار (٤) حتى ينمحي رسمه، ولا يبقى فيه إلا اسمه، وأنت أيها الملك عمادنا. وإليك بعد الله معادنا، فالتفت أيها الملك إلى مالنا. وانظر في مصالح أحوالنا، يصلح الله أحوالك، ويسدد أقوالك وأفعالك، والسلام.
ثم جلس فقال الملك: هؤلاء المساجد (٥)، فما بال المشاهد، فبرز مشهد برزة، متوكئًا على شهد الأرزة، وهو يصلصل ويصول، ويلطم وجهه ويقول:
كلما حاولتُ أشكو قصتي … لا ألاقي غير ذي قلب جريح
يتشكي مثل شكواي له … يالقومي ما عليها مستريح
أما بعد أيها الملك السعيد، أدام الله جمالك، وبلغك في العدو آمالك، فإن مقام إبراهيم أصبح في كل واد يهيم، ومغارة الدم (٦) لا تستفيق من الدم، ومسجد الكهف لا يفتر من اللهف (٧)، وقبر شيث قد استأصله الخبيث، وقبر نوح يبكي وينوح وقبر جيله ما لنا في عمارته حيله، وقبر إلياس قد تعوّضنا عنه بالياس، فأمست المشاهد كأربابها، وأصبحت رميمًا كأصحابها، قد محتها الغوادي، وحدا بها الحادي:
جرت الرياح على رسوم ديارهم … فكأنما كانوا على ميعادِ
فقال الملك: رب طارق على غير وعد، وفي كل وادٍ بنو سعد، ثم استفتح المقال بأن قال: الحمد لله الذي لا يُحْمَد على المكروه سواه، نَصَبَ الصراط العدل وسواه، وأمد بعونه وقواه، فمن أضل ممن اتبع هواه، وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه، أحمده على ما رزقني من الإجمال، وأشكره على ذهاب العرض والجاه
(١) في المنامات: صعصعًا. (٢) الزيادة عن المنامات. (٣) البقرة: ١١٣. (٤) في المنامات والتيار والأنهار. (٥) كذا في المنامات: قد سمعنا كلام المساجد. (٦) مغارة الدم، فيها مسجد كبير، كان للنصارى والرهبان، فجعل مسجدًا. (٧) بعده في المنامات: ومشهد هابيل قد ربي بطير أبابيل.