والمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا سيد الأولين والآخرين، رسول الله، أما بعد، يا معشر المتكلمين، وطائفة المساجد المتظلمين، فإنه والله ما يصل إليكم من الجور إلا ما يفضل عني، ولا ينتهي إليكم إلا ما يستعار مني، ولولا أن أركاني سليمة، وبنيتي قديمة، لأصبح جامع بني أمية يغنى عليه «يا دار مية» وقد والله شرقت بغصتكم، وحرتُ في قصتكم، إن رفعت أمركم إلى الملك العادل ردكم إلى الشيخ العاذل، فلا يرعى لكم حرمة، ولا يراقب إلا ولا ذمة، «شكوى الجريح إلى الغربان والرخم» والرأي عندي تكتبوا للشيخ قصة، ولا تتركوا في صدوركم غصة، وأن تجعلوا في الكتاب أنواعًا من العتاب، فإن التأم رأيه برأيكم، وإلا فالسلطان ورائكم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
فبادر الغلام بالدواة والأقلام (١)، فقال: استعذ بالله من الشيطان الرجيم، واكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. من ملك الجوامع بجيرون، إلى أبي سعيد بن أبي عصرون:
لقد أسمعت لو ناديت حيا … ولكن لا حياة لمن تنادي
أما بعد، يا غدار، فقد هيجت الألم، وأبهمت الظلم، ومن استرعى ظالمًا (٢) فقد ظلم، كم تغاضينا على خياناتك، وتغافلنا عن جناياتك، حتى اكتنزت الأموال وادخرتها، وجمعت الذخائر واختزلتها، لكن من أجل هذا كانت سياحتك، بسببه طالت نياحتك، ولأجله كنت تسيح وتصيح، حتى غبطك المسيح، لقد عجبت أيها الشيخ من حالك في ابتداء حالك، ومن فساد أمرك في آخر عمرك، صليت بالمسوح والقيد، حتى ظفرت بأنواع الصيد، وقلدت الأمور العظام حتى تقلدت الذنوب العظام، إن كنت في العمل إلا كما قيل في المثل:
صلّى وصام لأمر (٣) كان يأمله … حتى حواه فما صلّى ولا صاما
عرفني أيها الشيخ المفتون، والبائع المغبون، لم بعت الباقية بالفانية والقاصية بالدانية، إن فعلت ذلك لا لعلة أو لتحقيق ملة، أما أن تكون قد استطبت السكباج (٤) واستلينت الديباج، وأما أن تصدق أهل الأحقاد في أنك نصيري (٥) الاعتقاد، لا تقول
(١) في المنامات: فنادوا بالغلام فأتى بالدواة والأقلام. (٢) في المنامات: الذئب. (٣) في الأصل: لامن. (٤) السكباج: مرق يعمل من اللحم والخل، معرب مسكبا. (٥) نسبة إلى النصيرية، من الفرق الغالية.