للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بالنجعة ولا تصدق بالرجعة، وكلاهما أنت فيه ملوم ومعاقب ومذموم، وحسبك أنه قد بلغني ما أنت عليه من قلة الوفاء مع هؤلاء الضعفاء، فاحسم عنهم أذاهم، ولا تمكن منهم أعداهم والسلام.

فلما وصلت الرقعة إليه، وقرأ ما انطوت عليه، فكّر وقدر، فقتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، وشتم المساجد وبانيها ولعن المشاهد وقاطنيها، وقلب الرقعة، وكتب فيها:

وصلت رقعتك - أصلحك الله - كأنها ضربة موتور، ونفثة مصدور، تخلط فيها الهزل بالجد، وتبدي غيظ الأسير على القد، وأيم الله لقد قَذَفْتَ سريا، ﴿جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ (١)، فاشدد من عقالك، وتأيد في مقالك، فما كل شخص يذم شكله ولا كلّ طائر يجوز (٢) أكله (٣)، لو كان لك عقل يهديك أو رأي يهديك، لواريت إوارك، وسترت عوارك، أليس قد اشتهر عند الداني والقاصي بأنك قطب المعاصي حتى لقبوك بسوق الفسوق، وميدان المردان (٤)، ورحاب القحاب، حتى قال فيك الشاعر:

تجنّب دمشق ولا تأتها … وإن راقك الجامع الجامع

فسوق الفسوق به قائم … وفجر الفجور به طالع

لا جرم إن الله قطعك بالطريق، وعاقبك بالحريق، وجعل المضيء على أبوابك، والزط في قبلة محرابك، فلو أنك البيت المعمور لهجِرْتَ، أو بيت مكة لما حججت، فتوقف عند مقدارك، وانظر في إيرادك وإصدارك، والسلام.

فلما وقف الجامع على رقعته، ورأى ما فيها من رقاعته قام وقعد، وأبرق وأرعد وقال: اكتب يا غلام، بسم الملك العلام. من العاتب الواجد إلى الملك الزاهد، قال الحائط للوتد: لم تشقني؟ قال: سل من يدقني، لم يتركني الحجر الذي من ورائي، أما بعد أيها الملك العادل - أدام الله أيامك، ونشر في الخافقين أعلامك - فإن الله شرف بنيتي وحرمها، وطهر بقعتي وكرمها، طالما زُوحِمت بالمناكب، لما كنت هيكلًا للكواكب، وكم أصبحت مشكاة الأنوار، وبيتا لأسطر من النار، ثم انتقلت إلى اليهود بعد انقراض ملّة هود، فأنستُ بالزبور والأنبياء في القبور، ثم جاءت دولة الصلبان فقويت بالقربان ومعاشرة الرهبان، ثم جاء الإسلام، فتشرفت بدين محمد ،


(١) سورة مريم: ٢٧.
(٢) في المنامات: يحلّ.
(٣) بعده في المنامات وما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء فحمة.
(٤) في المنامات: المروق.

<<  <  ج: ص:  >  >>