للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فأنا المعظم في كل زمان، المقدم في كل قران وكيف يسعك - أيدك الله - التغافل عن حالي، أو التحيّن لنهب أموالي، ويدك مبذولة في البلاد، ومتحكمة في رقاب العباد، وأي شيء يكون جوابك يوم النشور إذا بعثر ما في القبور، وقد وقفت موقف الذليل، بين يدي الملك الجليل، وأقول: يا رب سل هذا لم أهملني وسلّمني لمن أكلني؟ فلا تردّ يومئذ جوابًا ولا تُحير خطابًا، ولا آخذ منه جميلًا ولا كفيلًا، ولا أقبل عنك شفيعًا ولا وكيلًا فتقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ليتني لم أتخذ فلانًا خليلًا، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، وكان الشيطان للإنسان خذولا، فقدم أيها الملك لنفسك، ما تجده غدًا في رمسك، وخذ هذا المذكور بالحساب قبل يوم الحساب، تبرأ من التباعة، وتدخل في أهل الشفاعة، والسلام على من عمر مساجد الإسلام، ورحمة الله وبركاته.

فلما وقف نور الدين (١) على كتابه، وتجرّع كأس عتابه، التفت إلى المساجد فرثى لهم، وسدد أحوالهم (٢)، وأسرها يوسف في نفسه، ولم يبدها لهم، ثم نظر إلى ابن عصرون، فأنزله واعتزله وحجبه عن بابه، واختزله، وألقاه في سجن الصدود، وخلّده فيه إلى يوم الخلود، وقرأ عليه، ألا بعدًا لمدين كما بعدت ثمود، والسلام، المملوكة ريحانة بغلة الوهراني تقبّل الأرض بين يدي المولى عز الدين حسام أمير المؤمنين - نجاه الله من حرّ السعير، وعظم بذكره قوافل العير ورزقه من التبن والحب والقرط الشعير وسق مائة ألف بعير، واستجاب فيه صالح أدعية الجم الغفير من أهل الخيل والبغال والحمير - وتنهى إلى ما تقاسيه من مواصلة الصيام، وسوء القيام، والتعب في الليل، والدواب تنام، قد أشرفت مملوكته على التلف، وصاحبها لا يحتمل الكلف، ولا يقول بالعلف، ولا يوقن بالخلف، لأنه في بيته مثل المسك والعبير، والأطر يفل الكبير، أقل من الأمانة في الأقباط، والعقل في رأس قاضي سنباط، فشعيره أبعد من الشعرى العبور، ولا وصول إليه ولا عبور، أعز من قرط مارية، لا تحرجه صدقة ولا هبة ولا عارية، والتبن أحبّ إليه من الابن والجلبان أعزّ عليه من دهن البان، والقضيم بمنزلة العقد النظيم، والفضة، أكمل من سبائك الفضة، والقول من دونه ألف باب مقفول فما يهون عليه أن يعلف الدواب إلا بعيون الآداب والفقه اللباب، والسؤال والجواب وما عند الله من حسن الثواب، ومعلوم أن البهائم لا


(١) في المنامات: الملك العادل.
(٢) بعده في المنامات: ولما علم فحوى شكيتهم، وعرف كنه قضيتهم أزال عنهم ظلمهم.

<<  <  ج: ص:  >  >>