بطراطير الفولاذ، وعن أكل الفراريج بلحوم الجرادين والبراذين، وعن شم الرياحين الطريّة إذا وافت، بروائح المنزلة إذا جافت، وعن سماع الطيور الأنيقات بفقع أصوات المنجنبيقات، وعن تقليب متاع البزاز بالتقلب تحت قلعة إعزاز، وعن مقابلة تجار الدكاكين بمفاركة السكاكين، يظلّ نهاره عرضًا للهام وللجيش اللهام:
وإذا غفا سلّت عليه سيوفها الأحلام فضج من عمل البيكار (١)، وانقطع إلى الوسواس والأفكار (٢)، فذكر يومًا منزله وداره، وهو في أعمال مدينة دارة، [ومن](٣) إلى تلك الصفف والمجالس، وهو قريب من مدينة بالس (٤) وتصور الطبقة والروشن، وهو على سطح جبل جوشن (٥)، وتخيل مرتعه وحماه وهو في الشرق من مدينة حماة، فتمنى أن يطير إلى تلك الأوطان من تل السلطان (٦) وأن يثب من باب الجابية إلى رأس الطابية، ثم تصور المسافة الطويلة دون باب زويلة، وأنشد:
أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهم … وأين من المشتاق عنقاء مغرب
فتصعدت حينئذ زفراته، وتضاعفت حسراته، فأكب على تخصيص يديه، وبكى حتى خرّ مغشيًا عليه، بأشد من شوق الخادم إلى لقائه، وتطلعه إلى ما يردّ من تلقائه، فيسأل الربّ الذي هو بالإجابة جدير، وهو على جمعهم إذا يشاء قدير، أن يمتعه بنظره عن قريب، إنه سميع مجيب (٧)، ولا يعتقد المولى أدام الله عزّه، إن الخادم أساء في صدر هذا الكتاب إليه، ولا وصفه بالحال الذي هو عليه لعلمه بأنه عنده من المحبة لسلطانه، ما يسليه عن أوطانه، ومن الغرام بأميره ما يلهيه عن سميره، وأن حديثه أحبّ إليه من الخدم السنية وملازمته أشهى إلى قلبه من العيشة المرضية، ولا شك أن أسعد الناس رجلًا يتصبح بوجه الملك الناصر، ويقبل يديه التي هي كالعناصر، ويخدم ركابه الذي تتشرف بخدمته الأملاك، وتمتثل أوامره التي تنفذها الأفلاك، فيسأل الذي جلت قدرته أن يمتعه بأطول الأعمار، ويبسط له خدّ كل معاند جبّار بمنه وكرمه. كان عبد مولاي الأمير أدام الله عزّه قد أخذ نفسه فيما مَرَّ من قرائن هذه الرقعة بلزوم ما لا يلزم. فمر في ذلك الهذيان مثل الفرس الجواد، إلى أن عن له أن يضيف إلى ذلك فصلًا آخرًا منسوقًا على ذلك المنوال، يشرح فيه قصته مع ابن ظفير، وما دهي به في ذلك العام،
(١) البيكار: الفرجار، كلمة فارسية. (٢) بعدها في المنامات بيتان من الشعر. (٣) الزيادة عن المنامات. (٤) بالس: مدينة بالشام بين الرقة وحلب. (٥) جبل جوشن، يطل على حلب في غربها. (٦) تل السلطان: موضع بيته وبين حلب رحلة نحو دمشق. (٧) بعده في المنامات بيت شعر.