للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فوالله ما لحق أن يمرّ بخاطره مرورًا حتى يبست الأنامل ونشف اللسان، وجمد الخاطر وتبلد الحس وانقلب الكيموس (١)، وصعدت الصفراء إلى دماغه، فاستحكم الفساد، وبقي بعد ذلك ثلاثة أيام يتكلم بكلام مخبط غير مفهوم، وهو إلى الآن في عقابيل ذلك، ألا ترى أنه قال البارحة لجماعة من جلسائه الذين يبيتون معه: منكم من يحفظ قول النابغة الذبياني في سيف الدولة [بن] حمدان لما شتمه المعتصم بمحضر أبي هريرة :

جزاك الله يا بن ظفير عنّي … وأطعمك الهريسة بالقرين

قعدت على المطارف والحشايا … فلا غث لديك ولا سمين

وجئت إلي بالأسحار تسعى … فلا ذهب تركت ولا قماشا

نصبت عليَّ يا خواف بظرًا … بصحن حلاوة من سم موت

فأشمت الأعادي بي قسرًا … ولا سيما أبو اليمن الكنيدي

يعيرني ويضحك من بكائي … كأن الدهر أعطاه الأمانا

فأصبحت كما كنت نحسًا … أكدّي الناس بالشعر الركيك

أكديهم بشعر مثل هذا … فيعطوني الخرا وسط الذقون

وأرجع للنساخة من جديد … وهذا بعد ما ضعفت جفوني

فيا لهفي ويا حزمي على ذهيب … أصول به على الدهر الخؤون

لقد شادوا بني شادي بنائي … بعشرات المواهب والمئين

وقد ملأوا من النعمى جرابي … فقطعه الحراف على جبيني

برامكة الزمان، بحار جودٍ … بدور التم آساد العرين

لقد منّوا علي وخلصوني … من الأيام والرزق الحرون

ولكن الحراف صديق بختي … يطالبني مطالبة الديون

لو أن الناصر الملك المرجي … حليف الجود فتاح الحصون

يخلّصني من ابن ظفير يومًا … سجدت له على مر السنين

ثم مال إلى الكيس الذي فرغه ابن ظفير في كمه، وفيه الدنانير، وتركه فارغًا، فملأه الخادم بفلوس النحاس ومثاقيل الرصاص، ورؤوس المسامير، حتى صار مزبطرًا مثل ما كان، ثم أضجعه معه في الفراش، وضمه إلى صدره، وقال: لا إن شاء الله ما ضاع لي شيء، وهذا رحلي مع الشيطان، أحياه الله أعقل من أن يوسوس إلى


(١) الكيموس: لفظ سرياني يراد به الخلط.

<<  <  ج: ص:  >  >>