للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بإتلاف مالي، وعندما ضعفت القوة وكثرت العائلة، ولا يزال يتلهى بلحيته حتى يثور إليه عقله، وهو يعلم أن هذا هو المحال، فيخرج الكيس من الفراش، فيمده بين يديه، ويقعد عند رأسه مثل القتيل وينشد:

سراة الليل ما فعلوا … أحبتنا الذي رحلوا

تراهم ذاكرين لنا … وإلا غيرنا وصلوا

لقد شط المزار بهم … فلاكتب ولا رُسل

وقد شف الجوى كبدي … وقد ضاقت بي الحيل

يكرر هذه الأبيات ويبكي ويلطم ساعة، ثم يفرغ الكيس بين يديه، فيقع الخرا في جوف لحيته، فيضرط بفمه ضرطة صافية، ويقول لنفسه في أول شارب لقيت، ثم يشيل الكيس فارغًا بيده ويقول مثلما تقول النائحة:

هذه العمائم عندي … أين الرجال أوّاه (١)

ويكرر هذا ساعة ثم يبكي ويقول:

دياري غاب سكانك … وهد الدهر أركانك

ثم يكرر هذا ساعة، ويقول: دنانير كلموني، دنانير كلموني، دنانير كلموني، يكرر هذا ألف مرة، فمرّت به عينه، فرأى فيما يرى النائم، كان المولى صلاح الدين ثبت الله سعده، واقف على باب سعاده، مستند إلى الباشورة (٢)، وأبو الفتح ابن القابض عن يمينه، وأبو سعيد البدليسي وأبو نصر التكريتي (٣) عن يساره، فجئت حتى وقفت بين يده، قرأت عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ إلى آخرها، فقال حفظه الله أيش حاجة الوهراني الزنديق؟ فقلت: من يصلي (٤) ويصوم الخميس والاثنين، ويقرأ كل يوم السبع، ولم يتجاوز إلى مكروه ما يكون زنديقًا. فقال سلمه الله: لو رأيتك تمشي على الماء، ما رأيتك إلا في صورة زنديق، فقلت له: المستعان بالله، ومالي في القضاء حيلة، وأردت الانصراف فقال: ارجع وأنت برصيص العابد، أيش حاجتك؟ فقلت: يا مولاي جميع ما أنعمت به عليَّ أنت وقرابتك. أخذه منّي أين ظفير في ساعة


(١) بعده في المنامات: ثم يكرر هذا، ثم يبكي ويقول: (حزينة ما نرى أبدًا. تسلّى أو فمت كمدا).
(٢) الباشورة: العتبة.
(٣) أبو نصر التكريتي، يحيى بن جرير، طبيب له اشتغال بالفلك من أهل تكريت، وسكن بغداد، وصنف كتبًا في الملك والرياضيات، توفي سنة ٤٧٢ هـ.
(٤) في المنامات: يصلي الخمس.

<<  <  ج: ص:  >  >>