واحدة، فقال أيده الله: أطعمك شيئًا من حلاوته؟ فقلت له: الكثير الطيب، فليته كان أخر رزقي، فقال: صدقت هي شبكته التي يصطاد بها أموال المدابير، ثم التفت إلى ابن القابض فقال: رح معه إلى ابن الأصبهاني يدفع له مائتي رمانة مليسي، وندفع له نحن من سنجار مائتي رمانة أخرى حتى يتخلّص، فرحنا إلى ابن الأصبهاني، فدفع لي مائتي رمانة مقيرة، فقلت له: ما هذا الذي عليها يا أبا الحسن؟ فقال: هذه أوساخ الناس وما أظنّك تأخذها وهي على هذه القضية، فقلت: آخذها، ولو كان فيها خراهم، ثم قبضتها منه وانتبهتُ، ففسَّرتُ المنام على خلاصي من ابن ظفير على يد الملك الناصر - خلد الله ملكه - واستخفّني الطمع على أن أكتب هذا الكتاب وهو:
- أدام الله علوّه - يعلم أن العرب قالت في أمثالها: لا عطر بعد عروس، وما حسن يد هند في السوار بعد السبعين، وإذا صر الغش، فما تصنع دعد بالشنوف (١)، وأما أمثال العامة إنما تخبا [الدموع](٢) للشدائد، وما خدمك الوهراني طول هذه المدة إلا أن يستعين بك في وقت الشدة، اللهم إلا أن تكون حقدت عليه كونه يغلبك في الشطرنج كل وقت، فهو يتوب إلى الله تعالى من ذلك، وما يرجع يغلبك أبدًا، وربّما أخذ منك الحظ ويتغلّب لك في الدسوت القائمة، ويندس في رحم عياله، كان عند ابن ظفير خمسمائة دينار، أخذ منها مائة تبقى عنده أربعمائة، وهو يقنع منها بمائتي دينار، ويجعله في حلّ من البقية، إن رأيت أن تتفضّل بحسن توصلك، وفاضل عنايتك وسعادتك وتشفع له عند الملك الناصر - أدام الله أيامه - بأن يوقع له بمائتي دينار على ديوان الزكاة بالقاهرة إنعامًا عليه وإحسانًا إليه، فهو المقصود، ونهاية المأمول، وتكن من المولى - أدام الله عزّه - كمن نجاه من الموت واصطنعه من القتل، وخلّصه من الشنق، وأنزله من الصلب، واستوهبه من ضرب الرقبة، وافتكه من الأسر وأعتقه من العبودية واستنقذه من ماضغي الأسد. وانتزعه من التمساح، وقلعه من شدق التنين، ونجاه من الحريق، وخلصه من الغرق، وأطلقه من الهاوية، وأدخله الجنّة [ونجاه](٣) من النار، ويكون الوهراني بعد هذا العبد القنّ الملازم لباب داره حتى يموت، وكان الخادم قد عزم على مخاطبة القاضي الفاضل، فذكر قول المتنبي:
أتيتُ فؤادها أشكو إليه … فلم أخلص إليه من الزحام
فتوقف عن ذلك، ثم حمله الحرص والطمع على المكاتبة، فلما تناول القلم،
(١) في المنامات وما تصنع وعدد بالشنوف إذا حر النعش. (٢) الزيادة عن المنامات. (٣) الزيادة عن المنامات.