للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكسر الورقة، أحس في عظامه بالفتور، وأصابه الزمعُ والهيبة، مثلما يصيب الحمار الصغير إذا واجه الأسد الكبير، أو الرجل الجبان إذا لاقى البطل الشجاع، فتطلس ذهنه، ونفر عنه ما كان يأتيه من المعاني الرقيعة في الألفاظ السخيفة، ثم ثاب إليه عقله بعد ذلك فقال يخاطب نفسه:

أيها الرجل الرقيع، بأي شيء تريد تخاطب هذا الرجل الرئيس؟ ما أنت من النظراء ولا من الأكفاء، فتكتب إليه تسأله عن حاله وتستطلع أخباره، فلو فعلت ذلك لكنت من الأغبياء المجانين، ولا أنت من خاصته وجلسائه فتكتب إليه تصف الشوق المبرح والحنين، فلو فعلت هذا لقال: هذا الكلام غير صحيح، قد كان معي في بلد واحد، ما كنت أراه في خدمة الباب إلا مرّةً واحدة في الزمن الطويل، ولا أنت من حاشيته وخدامه، فتكتب إليه تعرّفه بأخبار البلد، وما جرى فيه من العجائب من الخواص والمقدمين، فلو فعلت ذلك [قال: ايش] (١) هذا الانبساط البارد؟، ومن سأله عن هذا الحديث؟ [هذا] (٢) والله فضول عظيم، ومن سأله عن هذا الحديث فتكتب إليه تسأله أن يصطنعك بعنايته وتدبير أمرك من ابن ظفير، فيكون ذلك تتمة السعادة، أو فعل يقارنه التوفيق، ألا تراك سلّمت عليه في القاهرة فزوى وجهه عنك، كأن الشمس طلعت من جبينك، أو كأنك شاركت الكندي في قتل ابن صورة، وبني عثمان في مجاهدتها ومجاهرتها بأسباب العداوة، وعلى رؤوس الأشهاد.

وصل (٣) كتاب المولى الأمير الأجل الصاحب تقي الدين مصطفى أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، حتى يتوب المخلص من القيادة، وينقطع المعتدي إلى العبادة (٤)، وأدام عزه ونعماءه، حتى يستقر (٥) المولى في موضع واحد، ولا يبقى مصيات باطني ولا لأحد بألفاظ أحسن من فتور الألحاظ، ومعاني أحسن من ترجيع الأغاني، وكان ذلك أجمل في عينه من الروض غب السحاب، وألذ من الصفع بخفاف القحاب، ولا والله إلا أعذب من محادثة السمّار، وألذ من مماكسة الخمار، لا والله إلا أحلى من مطابقة الزامر للعوّاد، وأشهى إلى النفس من مواعيد القوّاد، فطرب فلان (٦) على كتابه، ولا طرب فلان الفلاني (٧) لما اجتمع بفلانة في دعوة فلان ليلة السبت


(١) الزيادة عن المنامات.
(٢) الزيادة عن المنامات.
(٣) قبله في المنامات ص ١٠٣: وكتب إلى تقي الدين.
(٤) في المنامات: الزهد والعبادة.
(٥) في المنامات: يقر قرار.
(٦) في المنامات: المملوك.
(٧) في المنامات: هلال الدولة.

<<  <  ج: ص:  >  >>