العشرين من محرّم هذه السنة وغنت له بالدف:
ما غير البعد ودًا كنتُ أعْرِفُه … ولا تبدّلتُ بعد الذكر نسيانا
ولا ذكرت صديقًا كنت آلفه … إلا جعلتُك فوق الكل عنوانا
فإنه لما سمع ذلك قام وقعد، وصاح ولطم، وفتل شعر عنفقته، وأدار شربوشه (١) على رأسه، وخرق غلالته طرح خمشتني قطيطتي كانت عليه - وجرى إلى الشمعة ليحرق لحيته فيها، فلم يترك لذلك، فحلف بحياة الجماعة ليسكبن قدحه في سرتها، ويتلقاه بفمه من [بين] أشفارها، بحيث تكون لحيته ستارة على باب ثقبها، فلم يتركه عشيقها في هذه الأيام لذلك، فحلف برأس الملك المعظم ليشربن بخفها ثلاث دركانات، فقالت: هذا هين، ولو أردت أن أسقيك بالخف ثلاثمائة في ساعة واحدة فعلت، وأحن من هذا كله لو كان لهذا الطرب ثمرة معجر دبيقي أو وثوب حريري، فتغافل وتساكر.
ولا زال يعبّ في الخف إلى أن وقع إلا طرب ابن ريس فلان ابن فلان في دعوة فلان ليلة الثلاثاء، العاشر من صفر لما غنت له فارس الشام:
أرى بيت لبنى أصبح اليوم يُهجَرُ … ومن أجل لبني ذلك البيت يُشكرُ
لقد كان فيها للأمانة موضع … وللسرّ كتمان وللعين منظر
فإن تكن الدنيا بلبني تقلبتْ … عليَّ فللدنيا بطون وأظهر
فإنه لما سمع بذلك طرب طربًا عظيمًا، وضرب بعمامته وجه المغني، وخلع ثيابه، وبقي عريانًا بالفقس. وأقبل عريانًا يمشي على أربعة، وفي ثقبه جزرة ريحان. وهو ينبح ألوانًا من النباح، ويقول: أنا كلب بن كلب، اصفعوني بالنعال لا والله، إلا طرب التاج بن المقلع لما شرب في دعوة فلان في الجزيرة ليلة الأحد النصف من صفر وغنت الحنونية (٢) صوتها المشهور الذي أتلفت عليه الأموال، وخربت به البيوت العامرة:
أنا الباز المطلّ على نميرٍ … أتيح له من الجو انصبابا
فغض الطرف إنك من نمير … فلا كعبًا بلغت ولا كلابا
فلم يبق في المجلس من المصريين أحد إلا خر ساجدًا على وجهه، وأما فلان ابن فلان فإنه لما سمع ذلك طار عقله، وزهق لبه، وأقبل يصيح صياح الديوك والغربان، وينهق نهيق الحمير والبغال وأقسم برأس فلان ليقبلن جحرها، وليمصن بضرها، وأمسكت له حتى فعل بها ذلك بعد أن حشى في كسها عشرين دينارًا، وفي ثقبها عشرة
(١) الشربوش: قلنسوة طويلة معربة عن سربوس، أي غطاء الرأس.
(٢) اسم مغنية.