دنانير، لا والله، إلا طرب الصوفية في دعوة ابن زين التجار (١) في ليلة عيد الأضحى من هذه السنة، وقد حضر عندهم مرتضى المغني معشوق العماد الكاتب (٢)، وقد أسبلوا شعره على أكتافه، وأمسك أبو شعيب الشمعة بين يديه، وهو يغني لابن رشيق القيرواني:
فتور عينيك ينهاني ويأمرني … وورد خدّيك يُغري بي ويغريني
أما لئن بعت ديني واشتريت به … دنيا فما بعتُ فيك الدين بالدون
سبحان من خلق الأشياء قاطبة … تراه صور ذاك الجسم من طين
أستغفر الله لا والله ما نفعت … من سحر مقلته آيات ياسين
فإنهم لما سمعوا ذلك هاجوا وماجوا (٣)، وزعقوا ونعقوا، وقفزوا إلى السماء، ونزلوا إلى الأرض، وضربوا بأرجلهم حتى انخسف ببعضهم الموضع الذي كانوا فيه، فنبشوا تحت الردم أمواتًا فغسلوا وكفنوا ودفنوا، وبعضهم يرقص لا يعلم مما جرى حرفًا واحدًا. لا والله إلا طرب فلان (٤) لما حضر دعوة ابن العميد وغنى له الكيكي:
نسيمه يتلقاني بزورته … مبشّرًا لي به من قبل يلقاني
سألته قبلة تحيي النفوس بها … فضمّني ضم مشتاق فأحياني
يا معشر الناس ما أحلى شمائله … لو كان ينصفني لو كان (٥) يرعاني
فإنّه لما سمع ذلك طرب طربًا شديدًا، ونتف جانب لحيته الأيسر، وقام إلى باب المجلس فلطم رأسه باللوالك إلى أن تقطعت اللوالك، وقفاه، ثم حَلَفَ ليركبن الكيكي على قفاه، ثم لا يبرح حتى يشرب قدحًا ويغنيه صوتًا ففعل به ذلك وما فرغ حتى كاد يموت.
فصل (٦): وبعد ذلك كله فالذي فعل المولى تقي الدين أدام الله ظله من لقاء الجمع الكبير بالعدد القليل عين الخطأ، وضد الصواب، لأن المغرر ليس بمحمود، وإن سلم فالله، الله، الحذر ثم الحذر، لا يكون لها مثنوية أبدا، ولا يرجع المولى يلقى ألف وستمائة فارس، إلا أن يكون في خمسة وثلاثين ألف فارس من خيار أصحابه بشرط أن يكون خيالة العدو مثل حمزة الزامر، وعثمان الجنكي، وأبي علي العواد، وعزيز البربطي، ومثل هؤلاء الفرسان، ويكون أصحابك أنت مثل فلان ابن فلان
(١) ابن زين التجار: أبو العباس بن المظفر بن الحسن الدمشقي، من علماء الشافعية، درس بالمدرسة الناصرية، توفي سنة ٥٩١ هـ. (النجوم الزاهرة ٦/ ٥٥).
(٢) بعده في المنامات: الأصفهاني.
(٣) بعده في المنامات: وصاحوا وباحوا.
(٤) في المنامات: الرضى بن سلام.
(٥) في الأصل: لكان.
(٦) المنامات ص ١٠٨.