للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فعله (١)، ولا احتوت في السبق قط إلى وصف قط مثله.

ورأيت بخط القاضي الفاضل رحمه الله تعالى، نسخة كتاب كتبه ابن صاحب الصلاة أيضا إلى بعض إخوانه، يعلمه بجوازه البحر، ويصف ما لقي من حوادث الدهر، وقد أوردته ها هنا بكماله لغرابة أسلوبه في أمثاله، وذلك حين أجرى سفينته واللجة هادية، وسريرة البحر على صفحته بادية، فهبت ريح زعزعت جوانبه، وأرسلت من أفواج الماء مقانبه، فشوهت منظره، وطمست في دارة الموج قمره، وفتحت أفواهها أوديته الفواغر، ونكست أعناق الصواري صواغر، ثم من بيده ناصيته يصرفها، وطرقه ينكرها ويعرفها، وجلا تلك الغماء وسجر في مستقره ذلك الماء، وأخذ بعنان ريحه الجامح، ورد طرف موجها الطامح، حتى عادت سحبا تنشرها الرياح، ومتن البحر هادئا كصفحة الراح، ثم إذا صافحته يد الهواء، رأيت به مثل نطاح الظباء، وتجلت ذكاء، والضوء قد أشرق، وبدت في سمائها كوجه المليحة في الخمار الأزرق، وأشرقت بازغة تدنو وترتفع، وتبدو كسبيكة الزجاج الحمراء ذائبة ينفخها فتتسع. وهو:

لا يبعد الله أقواما صحبتهم … لم أدر بعد غداة البين ما صنعوا

فصنع الله لك أيها الصاحب الوفي، والخليل الصفي، أحسن الصنع وأجمله وأتم البر وأكمله، وأبقاك في أوفر نعمة، وأنظر نعمة، وأنزه حال، وأنبه بال، لما كنا أعزك الله مرتضعين بلبان الصفاء، ومستبقين في ميدان الوفاء، وفارقتك بمدينة سبتة - حرسها الله تعالى - حين أخذت للسفر عدة الحزم وشددت له عقدة العزم، وأنا أجد من وداعك أشد بأس، وأجرع من فراقك أمر كاس، والليل مستور، ولواء الشمس منشور، وقد أنار وجه الأرض من رونق الضحى، ودار خط الظل دور الرحى، فانتظمت مع السفر في سلك، وركبنا على اسم الله ظهر الفلك، في شأن عظيم الشأن، أنشئ من أطول القضب وأقومها، وأصلب الخشب وأدومها، وأصدقت به النطق أحداق الحيازيم، وأمسكته إمساك الأبازيم، ثم يتبع خلله جددا على ألواحه من الانخلاع، فاتصلت بقرابيسه اتصال الجلود بالأضلاع، ثم جلل سربالا من القار، وضمخ بالشحم في الندى والفقار، فامتاز بأعزب ميسم، وعاد كالغراب الأعصم، وحسن في منظر ومخبر، كان الكافور قد قرن بالعنبر، له من التماسيح أجنابها، ومن الخطاطيف أذنابها، قد استقلت أرجله بفراشها. كاستقلال السهام برياشها، وقام فيه قضيب الخيزرانة كعمود الأسطوانة، ثم رأيت قلاعه تعلا كعروس على المنصة تجلى، وقد مد ذراعيه ملتقيا لوفود الرياح بالمصافحة مستهديا من أنفاسها منافحة، واهتز منها


(١) النهاية والمباهج: في النطق إلى خطابك.

<<  <  ج: ص:  >  >>