للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لنفس كليل، ومس قليل، متوسدًا على دفته، في حال ثقله وخفته، ليفاءل أهله بالأمان، ويحسنوا الظن بالرحمن، ولا يجد لطول السير، ملالا، ولا يشكو منه كلالا، بل يصل التصعيد بالتصويب، ويجمع بين الآساد والتأديب، دون همز لمراكله، ولا ضرب لشواكله، تقلد الحكم عليه رائس، ماهر في البحر سائس، ذو تيقظ واستبصار، واستدلال على الأعماق والأقصار، يقدر الأوقات بحزره، ويكيل البحر في مده وجزره، مع معرفته بدليل الهواء ومخايل الأنواء، ونكوب الرياح عن مهبها، ووقوع الأنهار في مصبها، يهتدي بالنجوم إذا سرى، ويستدل بالمياه إذا جرى، قد جعل الماء مرآة ينظر فيها، وتحدّر من دخن نوافيها، فإذا أصداها الظلام بحنادسه، صقلها الصباح بمداوسه، يسبّح الله في مصبحه وممساه، ويبتهل في مجراه ومرساه، ويذكر ربًا يحفظه ولا ينساه، قد اتخذ فتية مواتية من حذاق النواتية. يفهمون عن رائسهم بالإيماء، ويتصرفون له تصرّف الأفعال بالأسماء، بأشخاص لطاف سريعة التلفت والانعطاف، ينزفون الماء حتى ينصب، ويصلون الحبال عند التقضّب، ويتعلقون بها تعلق الحرباء بالتنصب، ويترنحون عند الجذب والدفع، والحطّ والرفع، بهيئة تبعثهم على الحمام، وتؤذنهم في علمهم بالتمام فجرينا ونفح الريح نسيم، ووجه البحر وسيم، وراحة الريح تصافح عبابه مصافحة الخل، وتطوي جنابه طي السجل، وتحوك من لججه أبراد، وتصوغ من حبكِهِ أزراد، كأنما ر رسم في الأديم رقشا، أو يفتح في الفصوص نقشًا، فتراه كمثل الفرند على سيوف الهند، فمن صارخ بتلاوة القرآن، يطيب له ما لا يطيب الماء البارد للظمآن، ومن مخبر بما سمع ورأى من فوائد العجائب، ورواية الغرائب والعيش رخاء، ولما توسطنا ثبج البحر، وضربنا بين السحر والنحر، صحت الريح من سكرها، وطارت من وكرها، سمعنا من دوي البحر زفيرًا. ومن حبال الشاني صفيرًا، ورأينا البحر يزبد ويضطرب، كأنه بكأس الجنون قد شرب، فعلقت عليه تمائم من غرّ الغمائم، واستقبلنا منه وجه باسر، وطارت من أمواجه عقبان كواسر، تنتظم وتصطفق، وتختلف ولا تتفق كأن الجو يأخذ بنواصيها، ويجد بها من أقاصيها، حتى تكاد وجه الأرض تنكشف من خلالها، وتختطف عنان السحاب في استقلالها، والثاني يلعب به أكف الموج، ويفحص منها بكلكله فوجًا بعد فوج، كأنما يتسلخ من دثار ويستقيل من عثار، ويجول منها بين أنجادٍ وأغوار، وخنادق وأسوار، وطاقات وأعراف، وحافات وأجراف، كأنها سوامق جبال تنقد، أو شواهق جبال تنهد، ونحن قعود كدود على عودٍ، قد نبت من القلق أمكنتنا، وخرست من الفرق ألسنتنا، والرش يكنفنا من كل جانب، ويسيل من أثوابنا سيل المذانب، ونحن لا نطيق نقضه ولا

<<  <  ج: ص:  >  >>