وهالها وأفرغ أحلام العقول وهالها، وغيب شمسًا أبقى بدرا، فله الحكم في الأمرين وفي الشكرين، وفي اليسرين ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ (١) ولما تم بقضاء الله، ونفذ أحسن ببقاء بقيّة صالحة صالحية إذ أخذ، وذلك ينمو هلال يبهت بحسن مرآه عيون الأهلة، وتعوذه الخلائق من شر كل طارق، بالله ويقول الملأ عند نفوس أشبه الصفات من والده المرحوم فيه أصدق. ومنه ما كتب إلى تاج الدين أحمد بن سعيد بن الأثير التنوخي (٢)، من حلب رحمهما الله تعالى:
يقبل اليد التاجية، لا زالت تؤنس القريب بجود كرمها، والبعيد بإجادة قلمها ولا عدمت الأولياء إدامة جودها، ولا جود ديمها، وينهي تأسفه على وقت طالما مر (٣) في استجلاء كريم المؤانسة، واستجلاء عرائس المشاهدة الآنسة، وأنه لا يقف بحلب المحروسة على ربع إلا ويقول هذا كان ربع الحبيب، وبه كانت الأوقات تعذب، والتنزه يطيب، وهذا ما كنا نلتذ بسماع أخباره، قد كثر التذاذنا منه بالنظر، وهذه العراض التي كانت السعادة بلحظها، وإن السعادة لتلحظ الحجر:
دمن تكاثرت الهموم عليَّ في عرصاتها … كتكاثر اللُّؤام
وكأن كل سحابة عرضت بها … تبكي بعيني عروة بن حزام
ورأى من توشيع الربيع خلال تأثير أرجك المعاول ما أوجب إنصاته لحديث الربوع، ولا شيء أشجن من حديث المنازل:
أسائلها عن المتديريها … فلا تدري ولا تذري دموعا (٤)
وشاهد ديار علوه، وقيل هذه حلب التي أخنى عليها الزمان فما أبقى إلا الرغوة.
أثاف بها ما في الفؤاد من الصَّلى … وربع كجسمي ناحل متهدم (٥)
وتأسف على الشهباء كونها قطعتها عن مداها الجنائب، واستوقفها حتى لم يرض صهوتها راكب:
هي المنازل لي فيها علامات … من بعد سكانها أهل العلى ماتوا
(١) سورة الشرح: ٥ - ٦. (٢) أحمد بن سعيد بن محمد، تاج الدين بن شرف الدين بن الأثير، وهم غير بيت ابن الأثير الموصلي، كتب للناصر بن العزيز بالشام، وتوفي بغزة ذاهبًا إلى القاهرة سنة ٦٩١ هـ. انظر: الوافي بالوفيات ٦/ ٣٩٢، والمنهل الصافي ١/ ٢٨٢ والنجوم الزاهرة ٨/ ٣٤ وعيون التواريخ (٦٨٨ - ٦٩٩) ١٢٩٥. (٣) في الأصل: مامر. (٤) البيت للمتنبي: ديوانه ص ٨٩. (٥) البيت للمتنبي وفيه: ورسم كجسمي. ديوانه ص ١١٣.