وبالله لقد استراح مولانا من سؤال ما لا يردُّ جوابًا من تلك الطلول، وأراح قلبه من الأسف وجفنه من الهمول، ووفر علي لحظة تلك المعافر والمعاجر من الذبول (١):
لنا ولأهلها أبدًا قلوب … تلاقي في جسوم ما تلاقى
ولا أحزنه فيها ما أحزن الأوّل من وقوفه على ربوع شتات ولقال ترى منازلة الدهر لهذه المنازل المنازه من جملة الأضغاث، ولأنشد في ذلك بما به نستشهد:
فديناك من ربع وإن زدتنا كربا … فإنك كنت الشرق للشمس والغربا (٢)
وبالله أقسم أن مولانا لمعذور في مقالاته بوصفها، وأنها مما توصف به لأكثر وأشهر وأبهى وأبهر، وأنوى وأنور، وأزهى وأزهر، وأبدى وأبدر، وأندى وأندر، وأي هي وبناؤها بأبياتها تزهر وأفنيتها نفسًا بها تلهو، وأين هي الآن. وقول المنازي (٣) فيها:
وقانا لفحة الرمضاء وادٍ … وقاه مضاعف النبت العميم
حللنا دوحه فحنا علينا … حُنّو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالًا … أرقم المدامة للنديم
يباري الشمس أنّى وجهتنا … فيحجبها ويأذن للنسيم
يروع حصاه حالية العذارى … فتلمس جانب العقد النظيم
ذهب حيث ذهبنا، ودرّ حيث درنا، وفضة في الفضاء لا سيما حين تبجست أنواء الفضائل العلائية، وتنفست أنوار صبح المعارف الفتوحية، وكل أرض بها أرضى للمجتلى والمجتنى بتلك البطاح، وأي شفاه يشفي الغلة مشافهة شفاه تلك الأودية المفترة عن ثغور الأقاح التي شبنها الصراح الماء القراح، حيث تأتي الأفنان بأحسن الفنون، ويتم التفكه بما قسم الله به في المخلوقات من التين والزيتون، ثم يعود إلى إدمان النوح في الدمن وعلى تلك المنازه التي كانت شامة في وجه الشام، فأصبحت زمنًا في أغضاء الزمن، ويندب أعظم من دمنة أم أوفى التي ما تكلمت وإن تكلمت (٤)، ولا ترد الجواب، بل دمنتين ما مرت ( … ... )(٥) لزينب والرباب:
(١) للمتنبي، ديوانه ص ٢٨٩، وفيه: لنا ولأهله. (٢) للمتنبي: ديوانه ص ٣٢٥. (٣) المنازي، هو أحمد بن يوسف المنازي أبو نصر، أصله من منازجرد من بلاد أرمينية، وكان شاعرًا أديبًا وزيرًا، استوزه أحمد بن مروان صاحب ميافارقين، وبها توفي سنة ٤٣٧ هـ والأبيات تنسب أيضًا لحمدونة بنت زياد. انظر: وفيات الأعيان والوافي بالوفيات/ ٨/ ٢٨٥ والعبر ١٨٧٣ وشذرات الذهب ٣/ ٢٥٩. (٤) إشارة لقول زهير بن أبي سلمى: أمن أم أوفى دفعة لم تكلم … بحومانة الدراج فالمتلثم (٥) كلمة لم أتبينها.