للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بللت بها ردني والغيم مسعدي … وعبرته صرف وفي عبرتي دمُ

بل بكاء من وقف واستوقف، وبكا واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل، ونادى بواديها بعد مسديها نادبا أكثر ما نادى نوح ابنه وكان في معزل. فما الموت على سواله، ولا أنهت لوقوفه عليها باصيلا له فاها لها منازه منازل كانت أنزه من شعب بوان. لا بل أحضر من حضر غمدان وحمدًا لها من مجاري سيول، ابقى لها حسن المرابع جود بني حمدان. وشكرًا لها من مواطن مواطر آل مرداس، ومرابع أشد حالها المحاكي، ألا هكذا فليضع الناس مع الناس، ولقد وقف المملوك بها وقوف من سمح بدمعه بتلك الرحاب، لا وقوف شحيح ضاع خاتمه في التراب، وكيف يوصف بالشح العقد، ومن جاد بنفسه وأذهبها عليها حسرات، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، ثم يأخذ المملوك غير هذا المذهب ويختصر جملًا من تفاصيل حاله. وكان من الواجب أن يسهب ويقتصر على ما يشرحه من تطوافه بكل دار بها فوجدها خاوية على عروشها، وسوقه بكل سوق سال عنها فإذا حارها قد تمر به الليالي لسوشها (١)، ولا يسأل سيدنا عن ثلوج شابت بها مفارق الجبال، وابيضت أعينها من الحزن على من شركها لمصابه بنبال الوبل المفضي به إلى الوبال، حتى قيل إن هذه أزباد البحار صعدت، ثم تخطت بل هذه الأرض قد استحيت من مواقعه الحيا، فلفت وجهها حياءً وتغطت، كم أضحت الطرق ببياضها سودا، وكم أجرت عيون الدموع، واحمرت عيون الجواري من الماء حتى أعوزت الأقوات مسامها، وأعجزت الأوقات مقدامها، وعذر كل أبا الطيب في هجائه الثلوج لكونها منعت الرعي مهره، وحبست عن المرتع والمربع حجره (٢) إلى غير ذلك من أمطار لم تحم منها الخزائن والمجالس، فما ظنك بالبرانس والطيالس والقلانس، قد عدمت الأرض بها ما كانت توصف به من الجلد، وعادت إلى ما كانت عليه من ماء جمد حتى لقد يبست من الاستكنان النفس، وعادت وجوه الرجال كوجوه ربات الحجال، لا تبصرها الشمس. والخيام وإن كانت بغير ذي طلوع قد سقيت، ولكن بأفواه القرب، وحسبت كل خيمة منها أنها قنطرة بين أهلها وبين بحار السحائب، جسر لكنه من خشب، أضحت لها من متجمد البرد المتواصل أطنابًا ممتدة، وكاد كل من أجزائها هربا من بين يدي الرياح كما يقال: انقطع من كوشها العدة. كم جمع كل منها


(١) كذا وردت في الأصل، ولم أعرف لها وجهًا.
(٢) يشير إلى قصيدة أبي الطيب المتنبي التي أولها:
ما للمروج الخضر والحدائق … يشكو خلاها كثرة العواتق

<<  <  ج: ص:  >  >>