للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أشتاتًا، فقال: ما أكثر ما حشت وكم أقعد العاصف منها قائمًا، كان قد وقف وما وقف له بشت، قد فتحت سماؤها فكانت أبوابًا، وسيّرت جبالها فكانت سرابا. عشنا بها عند قعاقع الرعود بالتسبيح. وكم وثقنا بثباتها كحملات الهوج ووثباتها فجبنت ولم يلتق الريح، وكم وكم، فحدث عن البحر ولا حرج، وأنت لكثرة أهوال الهواء إن يصلح الكتابة فكم درج من عيبتها درج، وصار السكن تحت جناحها من دلف الأمطار، لا فرق عنده إن دخل فيها أو خرج، وضعفت قواها عن امتساك، وكيف لا وقد أضحت محلولة السرج، وجرت تحتها الأنهار وإن كنا في غير جنات، وقطع الريح توازيرنا، ومن أمثال العوام: من قطعت توازيره مات. وأنا بحمد الله في كل مدينة برد ملبس بردة، منضد في أعناقنا من البرد عقده، نتمتع به في عنفوان شبابه ويستقبله في أوله ونودعه عند ذهابه، وكلما تمادى المسير ساء المصير، وقيل لنا إذ يسرق بعض دفء من الشمس: أيتها العير، والحبل على الجرارة، وما كل جُبّ فيه يوسف ويلتقطه السيارة.

فأجاب تاج الدين ابن الأثير (١):

يقبل اليد المحيويّة المجنوبة، إلى كل قبلة، المحتوية على الكرم الذي هو للكرام قبلة. لا زالت مخصوصة بفضيلة الإعجاز والبلاغة التي كل حقيقة لديها مجاز، والإحسان في (٢) إحسان الذي يظن الإطناب والإسهاب في شكره وذكره من الإيجاز، وينهي ورود مشرفته التي أخذت البلاغة فيها زخرفها، وأشبهت الروض الأنف منها أحرفها، وأبانت عن معجزات البراعة ومثلت له السحر كيف نفث (٣) في تلك البراعة، وأبانت مجاري على مثل الجمر، وأفردته بالرتبة التي لا يدعيها (٤) زيد ولا عمرو. وعلمته كيف يكون الإنشاء، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، فوقف المملوك عليها وقوف من أفحمه الحصر، وتطاول لمباراته فيها، ولم يطل من بباعه قصر، واستقدم قلمه لجوابها فأحجم، واستنطق لسانه ليعرب عن وصفها فأعجم، وقال لحسنها الذي استغرق القلوب: ملكت فأسجح، وبلغ الغاية في عذر نفسه المقصرة (٥). ومبلغ نفس عذرها مثل منجح، ومن أين لأحد مثل تلك البديهة المتسعة، والروية التي هي عن كل ما يتجنب متورعة، والمعاني التي يتولد (٦) منها أبكار (٧)، والغرائب التي لا يقبل الدر من بحارها إلا كبار، أو الخاطر الذي يستجدي الفضلاء (٨) من سماحته، واللسان الذي


(١) الرسالة في الوافي بالوفيات ٦/ ٣٩٢.
(٢) الوافي: لا إحسان.
(٣) الوافي: ومثلت كيف ينفث السحر.
(٤) الوافي: لا يصل إليها.
(٥) المقصرة: ليست في الوافي.
(٦) الوافي: يولد.
(٧) الأصل: أبكارا.
(٨) الوافي: يستجدي الفضل.

<<  <  ج: ص:  >  >>