للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يخرس الفصحاء عند فصاحته، والقلم الذي هو مفتاح الأقاليم، والطريق الذي من دل فيه ضل ولو أنه عبد الحميد (١) أو ابن العميد (٢) أو عبد الرحيم (٣)، والألفاظ التي تشوق بها أنوار المعاني فكأنها الليلة المقمرة، واليد التي إن لم (تكن) (٤) الأقلام بها مورقة فإنها مثمرة، ومولانا حرس الله مجده قد أوتي ملك البيان، واجتمع له طاعة القلم واللسان، فخطب الأقلام، بحمده على منابر الأعلام (٥)، وقد أخذت له البيعة بالتقدم على كل فاضل، ولو كان الفاضل (٦) وأصبح محله منها الأسنى، وأسماؤه فيها ( … .. ) (٧) الحسنى، وجاء من المحاسن بكل ما تزهى به الدول، وأصبحت (٨) طريقته في الفنون كملة الإسلام في الملل، وعرف الإشارة في حلب وما صنعت فيها الأيام، وما أشجاه من ربعها الذي لم يبق فيه بشاشة تستام (٩)، ووقوف مولانا في أطلالها، وملاحظته الآثار التي أعرضت السعادة عنها بعد إقبالها، وتفجعه في دمنها، وتوجعه لتلك المحاسن التي أخذت من مأمنها، وأنه وجدها وقد خلت من عراصها، وزمت للنوى قلاصها، وغربانها في رسومها ناعبة، وأيدي الرزايا بها لاعبة.

فلم يدر رسم الدار كيف يجيبنا … ولا نحن من فرط الأسى كيف نسأل

نشكر الله موقفه في تلك (١٠) الدمن، ورقته التي قابل بها جفوة الزمن، ورأى له هذا العهد الذي تمسكت الآن منه بحسب، ورعى له حق الدمع (١١) الذي جرى فقضى في الربع (١٢) ما وجب. وشاق المملوك توقفه في رسومها، واسترواحه بنسيمها، وسقياها بدمعه، وتجديد العهد بمغناها الذي كان يراه بطرفه فأصبح يراه بسمعه، ولقد يعلم الله ﷿ (١٣) أن الأحلام ما مثلها لعينه (١٤) إلا تأرقت، ولا ذكرتها النفس إلا تمزقت، ولا تخيلتها فكرته إلا استقرت على حال من القلق، ولا تمثلتها أمانيه إلا وأمست مطايا أمانيه في السبق.


(١) يريد به عبد الحميد الكاتب بن يحيى بن سعد، أحد أئمة الكتاب المتوفى سنة ١٣٢ هـ.
(٢) يريد به أبا الفضل بن العميد وزير البوهيين بالري، وكان من الكتاب الشعراء الأذكياء، توفي سنة ٣٦٦ هـ.
(٣) يريد به القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي اللخمي البيساني من أئمة الكتاب ووزراء صلاح الدين الأيوبي، توفي سنة ٥٩٦ هـ.
(٤) (تكن) ساقطة من الأصل.
(٥) الأصل: الأمل، والتصويب عن الوافي.
(٦) يريد به القاضي الفاضل.
(٧) كلمة لم أتبينها، ولم ترد في الوافي.
(٨) الوافي: أصبحت.
(٩) الوافي: بشام، وهو تحريف.
(١٠) في الوافي: فنشكر الله بوقفه على.
(١١) الوافي: حق الذي جرى.
(١٢) الوافي: للربع.
(١٣) ﷿: ليست في الوافي.
(١٤) الوافي: ما مثلتها العين.

<<  <  ج: ص:  >  >>