للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ماقلت إيه بعدها لمسامر … من الناس إلا قال قلبي آها

على أنه قد أصبح من ظل مولانا في وطن، وأنساه أنسه من ظعن ومن قطن، وشرف بخدمته التي تعلي لمن خدمها منارًا، واستعار (١) من الأيام التي أخذت منه درهمًا وأعاضته عنه دينارًا، وأصبح لي عن كل شغل به شغل، وأما الأشواق:

فسل فؤادك عني … يخبرك ما كان مني

فما ذكرت حبيبًا … إلا وإياك (٢) أعي

وإن نظرت عيني سواك، تلفعت حياء بأردان الدمع (٣)، ولو أني استطعت غمضت طرفي (٤) ووصفت ما عسى أن أصف من الشوق كان الأمر فوق وصفي:

وأني في داري وأهلي كأنني … لبعدك لا دار لدي ولا أهل

وعرف المملوك الإشارة إلى هذه السفرة ومتاعبها، والطرق ومصاعبها، والثلوج التي شابت منها مفارق الجبال، والمفاوز التي تهيب المسرى بها طيف الخيال، والمرجو من الله تعالى أن تكون العقبى منها مأمونة، والسلامة فيها مضمونة، وكأن مولانا بالديار وقد دنت، وبالراحة وقد أذنت (٥)، والتهاني وقد شرفت بوفودها (٦) هاتيك الرحاب، والرياض وقد أبدت من محاسنها وحسناتها (٧) ما يكفر به ذنب السحاب، والأنس قد أمسى وهو مجتمع القوى، والرحلة قد ألقت عصاها واستقر بها النوى. إن شاء الله تعالى.

ومنه ما كتبه إلى كمال الدين بن العطار:

كتبت هذه الخدمة في يوم غابت سماؤه، واستهلت أنواؤه.

دان مسف فويق الأرض هيدبه … يكاد يدفعه من قام بالراح (٨)

قد كاثر البحر بقطره، وروى بره كل بقعة من بره، فالبلاد قد فاضت غدرانها، وكادت تسقط لوقوعه جدرانها، حتى عم الوهاد والربى، وبلغ السيل الزبى، وما أظنّه إلا اقتدى بكرم مولانا الذي علم المغيث الندى وفعل بالجدب ما تفعله أقلامه بالعدي، فأجابه:


(١) الأصل: واستعاذ.
(٢) الوافي: وذاك.
(٣) هذه الجملة لم ترد في الوافي.
(٤) الوافي: غمضة طرفي.
(٥) الوافي: أنت.
(٦) الوافي: بورودها.
(٧) الوافي: محاسن حسناتها.
(٨) البيت لعبيد بن الأبرص، ديوانه رقم ٧٥ - ٧١ وهو لأوس بن حجر في الشعر والشعراء ص ٢٠٢ ونسبه الجاحظ في الحيوان ٦/ ١٣٢ لكليهما.

<<  <  ج: ص:  >  >>