فإنها تزكو على الإنفاق. الله الله عباد الله. دونكم الفرصة فانتهزوها، وزكى نفوسكم ولا تلمزوها، هذا شهر رمضان. قد وقف على شرف للوداع، وهو ثقة على ما يلقى إليه من الإيداع، فاسكبوا العبرات وودعوه، واكسبوا الخيرات وأودعوه، فإنه ذاهب إلى ربه، وشاهد على كل منكم بما أودعه من كسبه، فيا أيها الصائم، نزّه صومك عن الرفث، ويا أيها القائم طهر صلاتك عن العبث، ويا أيها الذاكر أجمع بين القلب واللسان، ويا أيها الشاكر زين شكرك بالإحسان، ويا أيها المنفق كن على نفقة من الخلف ويا أيها المشفق إنته يغفر لك ما قد سلف، ويا أيها المتواني أزف الرحيل ويا أيها المتفاني انقطعت عن الدليل، فكيف بك أيها السالك إذا ضاقت عليك المسالك، ورأيت النار ومالك، وشهدت جوارحك بسوء أعمالك، ووجدت أفعالك أقتل من أفعى لك هنالك،
تعض على يديك ندمًا، وتكون من أعمالك كممسك على الهواء، أو قابض على الماء.
وهي طويلة فاختصرتها.
خطبة أخرى أنشأتها وخطبت بها عند وفاة بعض الملوك.
الحمد لله وارث الأمم وليس له وارث، وباعث الرمم سامهم وحامهم ويافث، وباري النسم، ومسلّط عليهم الحوادث، يحكم بالعز والهوان، وينقل ملكه من سلطان إلى سلطان، أحمده على ما نزل به القدر المتاح، حمدًا يهب حيث ينوح الرياح، ويبلغ حيث يبلغ المساء والصباح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أفرج بها خناق الكروب واجعلها درياقًا لسمام الذنوب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي جمع كلمة الإسلام بعد شتاتها، وقصد به أحياء الأمة وغفر لأمواتها، وأيده بكماة الحروب وحماتها، صلى الله عليه وعلى آله، ما غابت الشمس في ظلماتها، وطلعت البدور في هلالاتها، أيها الناس ليس الموت بنكرة فيحتاج إلى تعريف، وليس الفوت في مجهلة فيفتقر إلى توقيف، فكأنكم والله بالتلف وقد أسرع إلى هذا التأليف، وقد اشتدت الكلف عند زوال هذا التكليف. وكأنكم بالصحة وقد نازلها المرض، وبالجوهر وقد زلزله العرض، فخشع القلب واستكان، وعدم الوجد والإمكان، وجاء الموت من كل مكان، فشخص البصر، وضاق النفس وانحصر، وود المسرف على نفسه لو أنه اقتصر فما هذه الفعلة والإضاعة عن اغتنام أوقات المهلة والاستطاعة، أتظنون أن الموت يقبل التفنيد، أو يميز بين السادات والعبيد، أو يأخذ منكم الفدا، أو يؤخر من حضر يومه إلى غدا (١)، كلا والله ثم كلًا، بل جل الخطب وجلًا.