للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وعقد الفناء بنواصيكم. وأقسم لا يحلُّ بعقده حلاًّ، حتى يوردكم موارد قوم تسوت بهم الأرض وقسمت أموالهم في أهل العصبات والفرض، وبقيت تبعاتها إلى يوم الحساب والعرض، وحلّت بهم المثلات، ونبتت على قبورهم الأثلاث، وجدع البلى أنوفهم الشّم جدعًا، وصال على أوصالهم فصلا وقطعًا، فلو كشفتم عنهم الترب صبحة التلقين، لعلمتم علم حالهم عن يقين، ورأيتم متجهمًا ما كان مبتسمًا، فما تعرفون الوجوه إلا توهّمًا، فهذا علم ما انتهت إليه أشباحهم، فسبحان من عنده علم ما انتهت إليه أرواحهم وأنتم عباد الله بقية مما ترك آل الرحيل، وشرذمة قليلة تركت لتهتم بالتحويل، ويلتحق الخلف بالسلف عما قليل، فخذوا رحمكم الله في تحصيل الأزواد، واحملوا على نفوسكم، فإنها لسفركم الطويل بمنزلة الأذواد، واقطعوا من الدنيا جميع أسبابكم فإن عسكر الأموات قد عسكر على أبوابكم، وأقسم ألا يرحل إلا بكم، فيا أبناء الأموات النجاز النجاز، ويا إخوان الشتات الجهاز الجهاز، ولا تطمئنوا إلى الحياة فإنكم منها على أوفاز، ومن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، جعلنا الله وإياكم ممن زجره الوعظ فانزجر، وتجلت له العبر فاعتبر، وأخبر عن الموت فعلم أن الخبر فوق الخبر. إن أنفع ما قرع السماع من المواعظ الزاجرة، وأحسن ما صلح عليه أمر الدنيا والآخرة، كلام ذي القوة القاهرة والآيات الباهرة.

ومن موعظة خطبة أنشأتها أيضًا:

أيها الناس أما لكم عن طول آمالكم من إقصار؟ ما هذا الغرور الذي قد أمالكم عن جادة الاستبصار، كيف لا تعتبر المقيم منكم بمن رحل؟ أم كيف ييأس من الإقامة من تستفزه الرحل، أم كيف لا ينشط من عرف عواقب الكسل، أم كيف لا يتيقظ من عرف خيبة الراقد؟ أم كيف لا يتبصر من رأى ظفر الناقد؟ واعجبًا لمطلوب لا يعد المسير في مدة المهل، ولمحروب سلّط عليه عدوّه وهو لا يعمل الحيل، ولمسلوب قد وجد الفرصة ولا يستدرك الخلل، ولمكروب قد وجد طبيبًا وهو لا يحسم مادة العمل. وارحمتاه لعالم لا يجمع بين العلم والعمل، ووا أسفاه لغافل خدعته أباطيل الأمل، ألا طعان، ألا فرسان عادية، ألا همة إلى المعالي رائحة غادية، ألا بصيرة إلى سواء السبيل هادية، ألا عزيمة جادة، ألا بصيرة حادة، ألا فطنة لوذعية، ألا فكرة ألمعية، ألا خائف من ربه، ألا مقلع عن ذنبه قبل حلول الأجل، قبل تحقق الوجل؟ قبل نزول الضريح قبل السؤال الصريح، قبل الوقوف للعرض على جبار السماوات والأرض، فيا أيها الغافل، عسى أن يكون قد اقترب أجلك، وقد أوهمك بعده أملك حتى سوّد الصحائف عملك، كأنك والله بأجلك قد حلّ، وبأملك قد ودّع فاستقل،

<<  <  ج: ص:  >  >>